ويكيليكس السفارة الأمريكية: قصّة المبعوث الإيراني إلى المنامة وخطاب الشيخ عيسى قاسم في عاشوراء 2009 «6»

2016-11-21 - 1:53 م

مرآة البحرين (خاص): في موسم عاشوراء الأول عام 2009* (يناير/كانون الثاني 2009)، أرسلت السفارة الأمريكية في المنامة إلى الخارجية برقيتين، إحداهما عن خطبة الخواجة، والأخرى عن خطاب عاشوراء المركزي للزعيم الديني الأعلى، آية الله الشيخ عيسى قاسم.

انظر: خطبة الخواجة في عاشوراء 2009: «العصابة الحاكمة» في برقيات ويكيلكس وكتاب جستن غينغلر «5»

ولأن أحد أهم محدّدات المزاج السياسي الشيعي هو خطاب عاشوراء، ظلّلت السفارة الأمريكية على ذات النسق من متابعة إحياء الذكرى، وخطابها المركزي على وجه الخصوص.

وفي حين أفردت السفارة برقية منفصلة لخطبة الناشط عبد الهادي الخواجة بالمنامة، جاءت البرقية الأولى عن خطاب عاشوراء المركزي، للشيخ عيسى قاسم، والذي احتوى هجوما على حكومة البحرين بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهجوما على السياسة الأمريكية بسبب موقفها من الحرب على غزّة (2008-2009).

تداعيات هذا الخطاب كانت مثيرة للجدل، إذ انتهت ببرقيات أمريكية أخرى ذات صلة، تتحدّث بريبة عن مبعوث إيراني للبحرين بعد دعوة الملك إلى عقد قمّة طارئة عن حرب غزّة.

لقد كانت السفارة الأمريكية في المنامة قلقة من تعاون بحريني إيراني، ما اضطر الخارجية البحرينية لأن تجاهد في نفي هذا الاتهام، وتبرئة الملك من أي تنسيق مع إيران!

برقية: رجل الدين الأعلى يضرب في العلاقات البحرينية الأمريكية بسبب حرب غزة ومظالم الشيعة

برقية السفارة الأمريكية عن عاشوراء في 8 يناير/كانون الثاني 2009، والموقعة من القائم بأعمال السفارة ، كريستوفر هنزل، كان موضوعها الرئيس خطاب الشيخ عيسى قاسم في عاشوراء. حذّرت البرقية مما ورد فيه من «هجوم» على السياسة الأمريكية، وسياسة الحكومة البحرينية في علاقتها مع واشنطن.

تعكس البرقية كيف كانت الدبلوماسية الأمريكية تنظر بقلق إلى خطب الشيخ عيسى قاسم، من زاوية دورها كمصدر رئيس للتحفيز والتحشيد السياسي في البحرين، سواء على صعيد القضايا المحلية أو الدولية.  

تذكر البرقية إن رجل الدين الشيعي الأعلى قال ضمنيا إن حكومة البحرين باعت نفسها على الولايات المتحدة الأمريكية، مشيرة إلى أن مسؤولا رسميا عبّر عن خوفه من ردود فعل شعبية على ما يحدث في غزّة عقب هذه الخطبة، وطالب الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لحماية المدنيين بشكل أفضل.

وتحت فقرة بعنوان «رجل الدين الأعلى يضرب في العلاقات البحرينية الأمريكية»، قالت البرقية إن الشيخ عيسى قاسم، أشهر رجل دين شيعي في البحرين، قال في خطبة السابع من يناير/كانون الثاني 2009،  إن صمت أغلب الحكومات العربية عن غزة يعد اشتراكا مع إسرائيل وأمريكا، وإن بعض الحكومات العربية باعت نفسها بقبولها الحماية الأمريكية في مقابل الصمت.

البرقية أشارت إلى أن الخطبة غطّيت في الصحف المحلية ومواقع الإنترنت، واعتبرت على نطاق واسع بأنها اجتازت خطا أحمر بانتقادها العلاقات الأمنية بين البحرين والولايات المتحدة.

غزّة، كربلاء، ومظالم البحرينيين الشيعة

وفي تفسير غريب، قالت السفارة إن «هجوم قاسم عكس غضبا صادقا في ردة فعل على أحداث غزّة، ولكنه قصد أيضا وضع ضغط على حكومة البحرين لمعالجة مظالم البحرينيين الشيعة».

وعن إحياء الذكرى، قالت البرقية إن مواكب عاشوراء الكبيرة كانت محافظة على النظام، لكنّ عدة خطب تخلّلتها لقادة متشددين شيعة، ساوت بين معاناة أهل غزّة وقصة المعاناة الشيعية (قصّة كربلاء)، وانتقدت الحكومة البحرينية على قضايا محلية.

كما كان هناك عدة مظاهرات صغيرة غير مرخّصة في وقت متأخر من 8 يناير/كانون الثاني، في مناطق تسكنها غالبية شيعية، في حين انطلقت دعوات سنية وشيعية للتظاهر يوم الجمعة احتجاجا على ما يجري في غزّة.

وكانت برقية سابقة قد توقّعت أن تكون هناك فرصة لتصاعد التظاهرات المناوئة لإسرائيل والغرب خلال موسم عاشوراء، مشيرة إلى أن تظاهرات السنّة كانت منفصلة عن الشيعة.

وكانت لجنة تابعة للسفارة تحت مسمى لجنة أعمال الطوارئ، قد عقدت اجتماعا لبحث تأثير ردود الفعل المحلّية هذه على الأمن.

عبدالعزيز آل خليفة للسفارة: قادة البلاد يخشون من ردة فعل الشارع

وفي سلوك يبدو روتينيا، تبادل المسئولون الحكوميون الاتصالات مع السفارة الأمريكية لمناقشة التطورات. ونقلت البرقية أن وكيل الخارجية البحرينية عبدالعزيز بن مبارك آل خليفة، أبلغ القائم بأعمال السفارة الأمريكية أن الحكومة البحرينية مصدومة من درجة معاناة المدنيين في غزة. وقال إن قادة البحرين يخشون من ردة فعل الشارع هنا.

المسئول البحريني

وكيل وزارة الخارجية البحرينية عبد العزيز بن مبارك آل خليفة

وقال المسئول البحريني إنّه بسبب ذلك، عقد الملك حمد في وقت لاحق من ذلك اليوم اجتماعا غير عادي لمجلس الوزراء، من أجل إظهار معارضة البحرين للأفعال الإسرائيلية في غزة بشكل أكبر، حسب قوله.

وفي رد فعل رسمي يبدو محاكيا أو مسايرا لغضب الشارع و(لما أثارته خطبة الشيخ عيسى قاسم)، طلب وكيل الخارجية البحرينية من القائم بأعمال السفارة الأمريكية، أن تقوم الحكومة الأمريكية بحث إسرائيل على ممارسة ضبط النفس، الطلب الذي وعد الدبلوماسي الأمريكي بنقله إلى واشنطن!

ولكن عبد العزيز آل خليفة شدّد في المقابل على أن البحرين تدعم بالكامل طريقة مصر في التعامل مع غزّة، وتقف خلفها!

الملك يدعو إلى قمّة طارئة والسفارة الأمريكية: محاولة للتقليل من الغضب الشعبي على الحكومة

السفارة الأمريكية كانت تتابع عن كثب مواقف حكومة البحرين مما يجري في الأراضي المحتلّة، وفي برقية سابقة وصفت هذه المواقف بأن الحكومة البحرينية تدين إسرائيل بأشد الألفاظ علنا، لكنها أكثر حذرا وبراغماتية في نقاشاتها الخاصة مع الدبلوماسيين، وكانت تأمل أن تنجح الجهود الدبلوماسية في تقليل التعاطف مع حركة حماس، وتقليل الضرر الواقع على الحكومات العربية المعتدلة التي تقف مع شارعها.

ونقلت في برقية أخرى أن الشارع والصحف استقبلت بشكل جيد مبادرات الحكومة للتبرع وتقديم المساعدات والدعم للشعب الفلسطيني، وعرضها تقديم علاج مجاني للجرحى داخل البلاد، ونقلت أن حشودا من المتظاهرين أشادوا بالملك بينما أدانوا إسرائيل والولايات المتحدة ومصر.

في 9 يناير/كانون الثاني 2009، أصدر الملك حمد بيانا دعا فيه إلى عقد قمة عربية إسلامية لمعالجة الأوضاع في غزّة، إن لم يكن ممكنا عقد قمة عربية. برقية أخرى من السفارة الأمريكية أشارت إلى هذا البيان، ووصفته بأنه محاولة للتقليل من الغضب الشعبي، وخصوصا في أوساط الغالبية الشيعية.

مبعوث إيراني

في 11 يناير/كانون الثاني 2009، برقية من السفارة تصل الخارجية الأمريكية لتنقل توضيحات من الخارجية البحرينية حول زيارة مبعوث إيراني إلى البلاد، عقب دعوة الملك إلى عقد قمة إسلامية طارئة عن غزّة.

تنقل البرقية أن المسئولين (سعيد الفيحاني وعبد العزيز آل خليفة) نفيا أن البحرين تنسّق مع إيران في هذا الخصوص، وأن الزيارة المنتظرة للمبعوث الإيراني ليست ذات صلة.

ايران
المبعوث الإيراني للمنامة في 2009، وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي حسين صفر

وتضيف أنهما وصفا مبادرة الملك بأنها لفتة من جانب واحد للتعبير عن قلق البحرين مما يجري في غزة، ولتهدئة الرأي العام المحلي.

تقول البرقية إن كلا المسئولين «زعما» أن البحرين لم تنسّق مع أي حكومة أخرى ولا مع منظمة التعاون الإسلامي، قبل بيان الملك، في حين أعاد عبد العزيز آل خليفة التأكيد على أن الإيرانيين لم يبلّغوا مقدّما بفكرة القمّة التي جاء بها الملك. فضلا عن ذلك، قال المسئولان إنهما يظنان أن مقترح القمة الإسلامية لن يلاقي الكثير من الدعم.

وإلحاقا بهذه المعلومات، تنقل البرقية الأمريكية أن السفارة الإيرانية في المنامة أعلنت أن مبعوثا من طهران سيزور البحرين والإمارات لتسليم رسائل حول غزة إلى قادة البلدين، وإزاء سؤال حول ما إذا كانت هذه الرسائل ردا على دعوة الملك حمد إلى قمة إسلامية، قال المتحدث باسم السفارة أن إيران دائما تدعم مثل هذه القمم.

في ختام البرقية، تعلق السفارة الأمريكية بقولها إن "الحكومة البحرينية ربما هدفت من مقترح القمة الإسلامية أن تهدئ الرأي العام المحلي، لكنها قد تكون فتحت من غير قصد بابا لإيران".     

 


* شهد العام 2009 ذكرى عاشوراء مرتين



التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus