نهاية موسم الحزن الشيعي... لماذا تراقب السفارة الأمريكية عاشوراء البحرين؟

 مواكب عاشوراء في المنامة، مقابل المستشفى الأمريكي، أرشيف الإرسالية الأمريكية
مواكب عاشوراء في المنامة، مقابل المستشفى الأمريكي، أرشيف الإرسالية الأمريكية

2016-11-29 - 7:06 م

مرآة البحرين (خاص): ينتهي اليوم موسم الحزن الشيعي، الذي يمتد لشهرين، بدءا من عاشوراء، مرورا بمراسم الأربعين، وانتهاء بذكرى وفاة النبي محمد (ص). وعلى مدار 7 حلقات، استعرضت مرآة البحرين في قراءة بحثية برقيات السفارة الأمريكية في المنامة عن احتفالات عاشوراء في البحرين، والتي سرّبتها ويكيليكس عام 2010.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحا، لماذا تهتم الدبلوماسية الأمريكية بعاشوراء البحرين؟

عاشوراء السياسية: من الإمام الخميني إلى القطيف والنجف والنبطية

في يونيو/حزيران 1963، خلال موسم عاشوراء، قُتل آلاف الإيرانيين بعد خروجهم في تظاهرات مناوئة للشاه، استجابة لخطاب في ذكرى عاشوراء ألقاه مرجع ديني شيعي، أصبح لاحقا مؤسس الجمهورية الإسلامية.

لم تنجح الثورة التي قادها روح الله الخميني في إيران، إلا باستخدام عاشوراء مجددا. شهدت الذكرى في أغسطس/آب 1978 مجدّدا أضخم تظاهرات الثورة، وما وصف بالمواجهة النهائية والتحدّي الأخير الذي أخرج البلاد عن السيطرة، وأطاح بنظام الشاه بعد ذلك بأشهر.

كلمات الإمام الخميني عن عاشوراء أصبحت جزءا من التراث الشيعي «كل ما لدينا من عاشوراء» و«عاشوراء... انتصار الدم على السيف».    

تزامنا مع الثورة الإيرانية، شهد نوفمبر/تشرين الثاني 1979 ما عرف بـ«انتفاضة محرّم»، في القطيف والأحساء. أصر السعوديون الشيعة على إحياء شعائر عاشوراء علنا، وخرج الجماهير إلى الشارع، بهتافات سياسية مناوئة للتمييز والاضطهاد المذهبي. أخمدت الانتفاضة بمحاصرة القطيف، بعد أن دارت صدامات عنيفة بين المواطنين الشيعة والحرس الوطني السعودي، راح ضحيتها حوالي 20 قتيلا، وعشرات الجرحى والمعتقلين.

p1

تظاهرات في عاشوراء 1979، صفوى، السعودية

 

وشهد العراق عام 1977 ما عرف بـ«انتفاضة صفر»، التي قاومت منع السلطات مسيرات المشي من النجف إلى كربلاء في ذكرى «الأربعين»، وانتهت نهاية دامية. تعتبر هذه التظاهرات من أبرز الحركات المناوئة لحزب البعث، وقد دعمها المرجع الديني الراحل محمد باقر الصدر.

وفي لبنان 1983، شهدت النبطية مواجهات تاريخية بين الشيعة والجيش الإسرائيلي، خلال إحياء ذكرى عاشوراء، أحرق فيها المتظاهرون آليات عسكرية إسرائيلية، وهاجموا عناصر الاحتلال بالسيوف.

p2

 لبنانيون في النبطية يحرقون آلية عسكرية إسرائيلية خلال إحياء ذكرى عاشوراء 1983

 

ضريبة عاشوراء في البحرين: هيئة الاتحاد الوطني  

البحرين، هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تعتبر فيها ذكرى عاشوراء عطلة رسمية. أحياء السوق القديم في العاصمة المنامة، هي الموقع المركزي التاريخي لفعاليات عاشوراء، عشرات الألوف يحضرون إلى عاشوراء المنامة حتى من الدول المجاورة، ولذا تسمّى بـ«كربلاء الخليج».

لطالما اعتبرت البحرين مثالا متقدّما على الحرّيات الدينية للشيعة، لكن تاريخ اكتساب هذه الحريات، ووظيفتها السياسية، هو ما يثير الجدل. فقبل الإصلاحات الإدارية، ينقل المؤرّخون أن الحاكم كان يفرض ضريبة على الشيعة لإحياء عاشوراء، بحسب ما يروي العالم اللبناني فؤاد خوري، في كتابه القبيلة والدولة.

وحتى قبل الثورة الإيرانية بعشرات السنوات، تحوّلت عاشوراء في البحرين تلقائيا إلى منبر سياسي ضد العائلة الحاكمة، وراعيها البريطاني، مع تراكم الظلم على الغالبية الشيعية. صارت البلاد دائما في حالة ترقّب، وباتت المنامة وطقوسها، مبعث رهبة.

في الخمسينات، ورغم أن عاشوراء كانت سببا في اصطدامات وفتنة طائفية، إلا أنّها تحوّلت إلى سبب في نشوء أول كيان سياسي جمع بين الطائفتين. ورمزيا، عقد الاجتماع الأوّل لهيئة الاتحاد الوطني، في حسينية (مأتم) بن خميس. وهكذا صار هناك شبه إجماع بين السنّة والشيعة في ذلك الوقت، على أن تستغل عاشوراء سياسيا للنضال من أجل الحقوق والحريات، وكانت المفاجأة حين وقف شاعر ينتمي لأحد أهم القبائل السنّية (عبد الرحمن المعاودة)، خلال أحد اجتماعات هيئة الاتحاد الوطني، ينعى الحسين في ذكرى الأربعين، ويستنهض الهمم لمواجهة الظلم والاستعمار تأسّيا بالحسين!

كان ذلك نجاحا تاريخيا لعاشوراء البحرين. لم يستطع البحرينيون السنّة، المناهضون للاستعمار، مقاومة إغراء عاشوراء. هم كذلك لم يجدوا أفضل من منبر عاشوراء لتحقيق أغراضهم السياسية المناوئة للتسلّط البريطاني، بما تبعثه عاشوراء من هياج وحماس وإثارة وتحشيد، سجّلها المستشار البريطاني السابق بلجريف بإعجاب في مذكّراته، وتابعتها المراسلات الدبلوماسية البريطانية.

عزاء

انتفاضة التسعينات: المعارضة في قصيدة وقميص أسود

«منذ أواسط التّسعينيات، كان من المستغرب أن لا يُعتَقَل ناشط سياسي واحد على الأقل على خلفية خطاب حماسي مناهض للحكومة في ذروة عاشوراء وشهر مُحَرّم بأكمله»، يقول جستن غينغلر، في كتابه «صراع الجماعات والتعبئة السياسية في البحرين ودول الخليج».

خلال انتفاضة التسعينات، اعتقلت السلطات خطيب المنبر الحسيني الشيخ علي النجاس، ورغم أنه رجل لا يبصر، إلا أن أجهزة الأمن السرّية قامت بتعذيبه حتّى الموت. كان السبب بالطبع، تجرؤه المتكرّر على العائلة الحاكمة من على منبر الحسين.

تميّزت انتفاضة التسعينات في البحرين باستغلال كثيف لعاشوراء وأدواتها: منابر المآتم، والمواكب العزائية، في بث الخطابات السياسية المعارضة، والتحشيد ضد النظام الحاكم. زعيم الحركة آنئذ، الشيخ عبد الأمير الجمري، كان هو الآخر خطيب منبر مفوّه. إحدى رسائل الجمري وثّقت الدور المهم والممنهج لأدوات المنبر الحسيني، قال في الرسالة آسفا إن السلطات اعتقلت أغلب منشدي العزاء «الرواديد»، كان هؤلاء بمثابة «تويتر» اليوم: المحرّك الإعلامي الوحيد للمعارضة.

وطوال تاريخ البحرين الحديث والمعاصر كان أي «رادود» يطرح محتوى سياسي يتعرّض هو موكبه لملاحقة الأمن، ولذلك ظهر ما عرف بـ«موكب الشهيد» السرّي، الذي لا ينتمي لأي مؤسسة حسينية، ولا يعرف القائمون عليه، ولا يعلن لا عن مكان ولا زمان انطلاقه، وفيه تطلق الشعارات السياسية على أوجها.  

في التسعينات لم تكتف قوات الأمن باقتحام المآتم والتعدي على مواكب العزاء لمجرد هتافات سياسية مناوئة للنظام، بل استهدفت كل من يلبس القميص الأسود، من طلاب الجامعة على سبيل المثال.

p3

بعد 2001: السياسة من رحم عاشوراء

«بالنّسبة لمراقب خارجي لإحياء ذكرى عاشوراء سنويًا، من الصّعب معرفة ما إذا كانت المواكب التي لا تُعد ولا تحصى والمسرحيات المشحونة بالعاطفة والخطب، تروي المعركة مع الخليفة الأموي في العام 680م، أو تروي الصّراع الحالي ضد سلالة آل خليفة» يستمر غينغلر في وصف مشاهداته لعاشوراء 2009، التي حضرها في البحرين.

موسم عاشوراء البحرين، الذي لا ينتهي يوم العاشر من المحرم، بل يمتد طيلة شهري محرّم وصفر، ظل يشتغل سياسيا حتى بعد الانفراجات السياسية وما عرف بالمشروع الإصلاحي، الذي دشّنه الملك حمد بن عيسى، عام 2001.

سنشهد مجدّدا عودة «الرواديد» والخطباء إلى توظيف المنبر والقصيدة الحسينية في خطابات سياسية مثيرة، عن الشأن المحلي والدولي. سنرى نقدا أدبيا لاذعا لا يتوقّف للحكومة والوضع السياسي والقوانين الجديدة، كما سنرى تحشيدا عاطفيا للاصطفاف وراء الزعامات العليا، وكذلك حضورا مباشرا لقضايا الأمة الكبرى وقتئذ: فلسطين والعراق.  

هكذا، ومع مساحة علنية أكبر لممارسة الشعائر الدينية، ستبرز في هذه المرحلة الصلاة المركزية وخطاب عاشوراء للشيخ عيسى قاسم في المنامة. كما ستخرج أيضا من رحم عاشوراء، الخطابات الأكثر تشدّدا من جماعات المعارضة المنشقّة عن جمعية الوفاق، بعد قبول الأخيرة الدخول في البرلمان.

في عاشوراء، ستنصب حركة حق، المنشقة عن الوفاق، والتي يتزّعمها الناشط المعتقل حسن مشيمع، ركنا ومنصة في وسط المنامة، وفي المنامة أيضا ستنصب خيمة للجنة الشهداء وضحايا التعذيب. كانت عاشوراء بالنسبة لكلا الجهتين أهم منبر للتحشيد السياسي وكسب الأنصار والتعاطف.

وفضلا عن ذلك، صارت الجمعيات السياسية اليسارية (تضم خليطا من علمانيين سنّة وشيعة) تصدر بيانات سنوية بمناسبة عاشوراء. وهذه البيانات، بحسب الدكتور عبد الرحمن خليفة «كانت تزين الصفحة الرئيسية من نشرة الجماهير»، التي تصدرها جبهة التحرير الوطني البحرانية، وهي المنظّمة التي أسّسها اليساريون أنفسهم في الخمسينات.

من هنا، ستثير عاشوراء جدلا في كل عام، وستكون دائما محل ترقّب، ليس فقط من أجهزة الدولة، بل من السفارة الأمريكية أيضا.

p5

 

ويكيليكس عاشوراء: السفارة الأمريكية في مهمّة عمل

تجعلنا برقيات ويكيليكس واثقين من أن السفارات الأمريكية في العالم، حتى تلك التي ليس فيها محطة استخبارات، تعمل على الأرض من أجل جمع المعلومات وتحليلها. وفي مقابل طريقة رصد أجهزة المخابرات الحكومية ومتابعتها لإحياء الشيعة البحرينيين ذكرى عاشوراء، والتي لا تهدف سوى إلى الرقابة والمعاقبة والضبط، تعمل السفارة الأمريكية في المنامة على جمع المعلومات عن عاشوراء سنويا للدراسة والتحليل من أجل تقديم صورة كاملة للإدارة الأمريكية، في شكل تقرير سري!

لماذا تكون برقيات السفارة الأمريكية عن عاشوراء البحرين سرّية؟ ما هو المهم والخطير في خطابات الشيخ عيسى قاسم، أو خطابات الأستاذ حسن مشيمع، أو عبد الهادي الخواجة، بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية؟ ما السرّي في مراسم وطقوس إحياء ذكرى عاشوراء اجتماعيا ودينيا في البحرين، وفي الجدل الطائفي الذي تخلّفه أحيانا؟ هل هناك ثمة توجيهات أو قرارات أو ردود أفعال قد تأخذ بناء على هذه التقارير؟ أو أن هناك ربّما حاجة لاستخدامها في خطط وتصوّرات استراتيجية للأمن والسياسة في المنطقة؟

لن تصل هذه البرقيات إلى الخارجية الأمريكية فقط، بل ستكون برسم القيادة الأمريكية المركزية في الخليج، وسترسل بالطبع إلى وكالات الاستخبارات، والمحللين، والباحثين.

ستضع السفارة في برقياتها كل تفاصيل عاشوراء الدقيقة، في سياقها الديني والاجتماعي والسياسي. طريقة القراءة البعيدة عن الانفعال لعاشوراء البحرين (حتى لو كان العلم الأمريكي فيها مرسوما على الأرض لتدوس عليه الأقدام)، تجعل من تقارير السفارة الأمريكية وثائق مهمّة للتاريخ.

عاشوراء بالنسبة للسياسة الأمريكية يذكّر بإلهامه العديد من الثورات وحركات المقاومة الشيعية في المنطقة، بدءا من إيران، وليس انتهاء بلبنان. منذ ذلك الوقت، والسياسة الأمريكية تسأل نفسها دائما، إلى أين يمكن أن ينتهي هذا الحماس الشيعي في عاشوراء في البحرين؟

تكشف هذه البرقيات، التي يبدو أنها أخذت تصبح مهمّة سنوية بدءا من 2005، أن الدبلوماسية الأمريكية لا تنظر إلى عاشوراء كمناسبة دينية تشهد احتفالات عابرة مرة كل عام. إنها تثبت أن عاشوراء، ترتبط بأمن الخليج، واستقرار أنظمة الحكم فيه، والأسطول الخامس، والجار الإيراني، والصورة الأمريكية في الذهن الشيعي.

في العام 2008 زار السفير الأمريكي السابق آدم إيرلي بنفسه احتفالات ذكرى عاشوراء في المنامة عام 2008، يصحبه مسئولون في السفارة، ضمن ما قالت برقية إنها كانت «مهمة عمل» الهدف منها تعزيز التواصل مع المجتمع الشيعي في البحرين!

هذا الاطّلاع المكثّف، ليس مزحة. هناك فريق ترسله السفارة سنويا من موظفيها لمراقبة هذه الفعاليات ورصدها بدقة. وفضلا عن ذلك، تجري السفارة اتصالات بمعارفها من الشيعة للوقوف على معلومات أخرى.

على صعيد الداخل البحريني، تنظر السفارة إلى عاشوراء على أنّها فرصة كبيرة لقياس حضور القوى السياسية، وتأثيرها، وتحديد المزاج السياسي العام، واتّجاهاته. تقول البرقيات إن هذه الاحتفالات تزوّدها برؤية وتقدير لقوّة التيارات والجماعات والأفكار.

 

المستعمر البريطاني أيضا

وإذا كانت برقيات ويكيليكس قد أعطتنا تصوّرا واضحا للمدى الذي تتابع فيه السفارة الأمريكية في المنامة بكل جدّية هذه التظاهرة المهمّة، وإلى أي حد تأتي ضمن نقاشاتها حتى مع المسئولين البحرينيين، فإن وثائق أخرى من الأرشيف البريطاني تثبت أن لندن كانت على ذات الدرجة من الارتياب والترقّب وتقوم هي أيضا بواجب الرصد والمتابعة لاحتفالات عاشوراء.

تقول وثيقة إن المعتمد البريطاني غولت طلب في أغسطس/آب 1955 من الخارجية البريطانية توفير غطاء عسكري في الخليج وسعى لإقناع حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بإنزال عدد من القوات من المدمرة «فلامينجو» في قاعدة الجفير، كما طلب من المدمرة «لوخ لوموند» التوجه من الكويت إلى البحرين لمواجهة ما قد يحدث في ذروة عاشوراء، خوفا من اضطرابات وانفجار شعبي كبير، إثر تهديدات من هيئة الاتحاد الوطني بتنظيم مظاهرات، وإثر شائعات عن تنظيم إضراب، والتخطيط لمواجهات. تقول الوثيقة إن غولت كان يعتبر عاشوراء فترة صعبة تكون فيها المشاعر هائجة.

سنرى أيضا أن الأمريكيين، حتى قبل أن تكون لهم سفارة في البحرين، كانوا يحرصون على متابعة احتفالات عاشوراء، ولو من زاوية ثقافية. وتفتخر السفارة الأمريكية في الاحتفالات التي تقيمها بعرض صور نادرة ربّما تكون الأقدم لمواكب عزاء التقطت قرب دار الإرسالية الأمريكية في العام 1908.

لماذا لم تدرس السعودية عاشوراء؟

يرى جستن غينغلر إن لشخصيات وأحداث هذه الأيّام التاريخية، قدرة على «استحضار ذكريات قوية عن الظّلم السّياسي عند إدخالها في الطّقوس والتّقاليد -حين توضع للاستخدام الجيد من قبل روّاد السّياسية ذوي الذكاء الحاد، الذين يتطلعون لحشد الجموع».

لدى عاشوراء قدرة على الشحن العاطفي والسياسي، وتمتلئ شعائرها ومراسمها بالرمزية السياسية.

في صفحات طويلة أفردها لمناقشة توظيف ذكرى عاشوراء سياسيا في البحرين، يقول غينغلر في تحليله «قد تشكل المبادئ الدّينية أو السّياسية دوافع لدى عدد من المواطنين بحيث يرغبون بالمخاطرة بحياتهم وأنفسهم من خلال الانخراط في نشاطات تحديًا للدّولة» ويضيف «القمع كمفسّر للسّلوك السّياسي، يجب أن يقاس في مقابل قدرة الخصم على المعاناة وحتى تبني التّضحية من أجل قضية سياسية».

مع كل هذا الزخم الذي تأخذه ذكرى عاشوراء، وموسم الحزن الشيعي في شهري محرّم وصفر من كل عام، إلا أنّنا لم نقرأ يوما عن قراءة سياسية غير منفعلة لهذه التظاهرة وهذه الشعائر، من قبل مؤسسات الحكم في دول الخليج، أو المراكز البحثية والأكاديمية التابعة لها، رغم أنها تدخل عميقا في تكوين المواطن الشيعي، ورغم أنّها أثبتت إمكانية الوصول بتأثيرها حتى على المنتمين لمذاهب ومدارس فكرية أخرى.

لماذا لم تدرس الأنظمة في السعودية والبحرين عاشوراء بعيدا عن الصراع الآيدولوجي؟ لماذا لم تحاول أن تفهم مواطنها الشيعي من باب عاشوراء؟ لماذا لم تفكّر دول الخليج في تأثير عاشوراء على استمرار نظام الدولة الريعية، كما بيّن جستن غينغلر، وكما سرد فؤاد خوري، ولورنس لوير، وغيرهم؟ لماذا لم تحاول أن تستميل المواطن الشيعي وتستفيد من تكوينه للم الشمل بدلا من التفرقة والتشكيك في ولائه؟

ولماذا أيضا لم نر كتابا عن عاشوراء من زاوية سوسيولوجية أو إنثروبولجية من أكاديمي في الخليج؟ لماذا يتعالى المثقف الخليجي على ظاهرة لا يفوّتها صنّاع السياسة الأمريكية؟

عاشوراء في الخليج والبحرين، وطبقا لبرقيات السفارة الأمريكية، هي أضخم تجمع بشري، وهي أفضل مقياس لمحددات السلوك السياسي للمواطن الشيعي، وقد أثبتت عاشوراء أيضا أنها ببعدها الثقافي والتاريخي يمكن أن تتحوّل من باب لإثارة التصادم والصراع الطائفي والآيدولوجي، إلى باب للتنظيم السياسي المبني على قيم ومصالح مشتركة، حتى لو كانت أداتها التضحية، كما رأينا في تأسيس هيئة الاتحاد الوطني.

مع أن السفارة الأمريكية شبّهت عاشوراء في مقاربة تصويرية باحتفالات الكريسمس، إلا أنه لا يوجد أي احتفال ديني ينافس عاشوراء في مدّها وتأثيرها واستقطابها السياسي. عاشوراء البحرين تظل تهز الخليج حتى بعد 2011، وإذا كان حبل البرقيات التي سرّبتها ويكيلكيس عن السفارة الأمريكية انقطع مع نهاية العام 2009، فلا يوجد أدنى شك من أن هذه المهمّة السنوية مستمرّة.

ربّما علينا فقط أن ننتظر ويكيلكس أخرى!

رابط حلقات الملف    


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus