الإندبندنت: روبرت فيسك: هذا هو هدف زيارة دونالد ترامب إلى السّعودية

روبرت فيسك - صحيفة الإندبندنت - 2017-05-26 - 2:17 م

ترجمة مرآة البحرين

ينطلق دونالد ترامب يوم الجمعة لخلق فانتازيا ناتو عربي. سيكون هناك مستبدون كثيرون لتحيته في الرّياض، دكتاتوريون فاسدون وبلطجية وجلادون وقاطعو رؤوس. سيكون هناك على الأقل رئيس ميت حي - عبد العزيز بو تفليقة من الجزائر، السباتي الذي لا يتكلم ولا يسمع على ما يبدو- وبالطّبع، رئيس مجنون تمامًا، دونالد ترامب. مع ذلك، الهدف بسيط: تهيئة المسلمين السّنة في الشّرق الأوسط للحرب ضد المسلمين الشّيعة، بمساعدة إسرائيل طبعًا.

حتى بالنّسبة لأولئك المعتادين على جنون الزعماء العرب -ناهيك عن أولئك الغربيين الذين ما يزالون يفهمون أنّ الرّئيس الأمريكي نفسه يتصرف بطريقة سخيفة- فإن القمة العربية-المسلمة (السّنية) في السّعودية عصية على الفهم تقريبًا. سيأتون من باكستان والأردن وتركيا والمغرب ومصر و42 عاصمة مسلمة، لكي يتمكن السّعوديون الطّامحون من قيادة حملتهم الإسلامية العسكرية ضد "التّطرف" والتشيع. وحقيقة أنّ غالبية "التّطرف" في الشّرق الأوسط -داعش والقاعدة، وجبهة النّصرة- تنبع من الدولة التي يتوجه إليها ترامب، يجب أن يتم تجاهلها، وسيكون ذلك. لم يشهد تاريخ الشّرق الأوسط أبدًا مثل عرضًا مثل "كوميديا الأخطاء" هذه.

وعلى رأس كل هذا، سيكون عليهم الاستماع إلى هذيان ترامب عن السّلام و"التّطرف" الإسلامي، وسيكون طبعًا الخطاب الأكثر غنًى الذي يلقيه رئيس أمريكي حيث سيزعم أنّ إيران متطرفة -في حين إنّ عناصر داعش الوهابيين السعوديين هم الذين يدمرون سمعة الإسلام في أرجاء العالم. كل هذا في حين يشجع [الرّئيس ترامب] الحرب.

بالنّسبة لولي ولي العهد السّعودي محمد بن سلمان، فإنّه يريد أن يقود قبائله السّنية -والعراق إذا أمكن، وهذا هو السّبب وراء دعوة رئيس الوزراء العراقي العبادي من بغداد -ضد أفعى إيران "الإرهابية" الشيعية، والنظام العلوي "الإرهابي" (الشّيعي) القاتم لبشار الأسد، وحزب الله اللبناني الشيعي "الإرهابي" والحوثيين الشّيعة "الإرهابيين" العدوانيين في اليمن. أما بالنّسبة للأقليات الشّيعية في الدول الخليجية نفسها، وغيرهم من المُخالفين، حسنًا، سيتم قطع رؤوسهم.

بعد كل شيء، هذا ما فعله السّعوديون لرجل الدين الشّيعي البارز الشّيخ نمر النّمر العام الماضي: لقد فصلوا رأسه عن جسده، على طريقة داعش، مع 47 "إرهابيًا" آخرين، بأسلوب يشبه قطع الرّأس التّقليدي على الطّريقة الوهابية. وأي شيعة أقوياء في الدّول الخليجية المحيطة سيتم قتلهم، أيضًا -الأمر الذي حصل أيضًا مع الأغلبية الشّيعية في البحرين عندما احتل الجيش السّعودي الجزيرة في العام 2011 بـ "طلب" من حاكمها السّني.

ويمكنكم أن ترَوا لماذا رئيس أمريكا المشين، وهو رجل يقع في الهيكل الإقليمي للمعتوهين الهاذين -هو يصطف بالتأكيد مع أفراد على غرار القذافي وأحمدي نجاد في الشرق الأوسط- يتماشى جنبًا إلى جنب مع هذا. حقيقة أن داعش -العدو القاتل لترامب والعدو الاستراتيجي لرؤساء دفاعه- هو مخلوق من ذات الطائفة السلفية للسعودية، ليس هنا، ولا هناك. السعوديون السّنة وملوك وأمراء الخليج يملكون ثروات هائلة، الدين الوحيد الذي يحترمه ترامب حقًا، وهم يريدون تدمير إيران الشّيعية وسوريا وحزب الله والحوثيين- وهي مجرد قصة عن "مكافحة الإرهاب" بالنسبة للأمريكيين- وهذا يعني أنه بإمكان ترامب أن يمنح محمد بن سلمان ومؤيديه ما قيمته 100 مليار دولار من الصواريخ والطائرات والسّفن الأمريكية للحرب المقبلة. أمريكا ستكون سعيدة. وإسرائيل ستكون سعيدة.

أعتقد أن ولي العهد جاريد كوشنر يرى أنه قادر على التّعامل مع هذه النهاية من التحالف العربي مع الناتو، على الرّغم من أن الإسرائيليين أنفسهم سيكونون جدًا سعداء لرؤية السّنة والشّيعة يتقاتلون فيما بينهم، تمامًا كما فعلوا في الحرب بين إيران والعراق من 1980-1988، حين دعمت الولايات المتحدة الأمريكية صدام السّني- على الرّغم من أن جيشه كان مكونًا في غالبيته من الشّيعة- وقدم الإسرائيليون صواريخ أمريكية إلى الإيرانيين الشّيعة. بالفعل، لقد ميّز الإسرائيليون أنفسهم بقصف الجيش السوري وحزب الله والإيرانيين في الحرب السّورية -في حين تجنبوا قصف داعش وقدّموا لمساعدة الطبية للقاعدة (جبهة النّصرة) في الجولان.

تم تنفيذ الكثير (بحق) من تهديد محمد بن سلمان لضمان أن المعركة "في إيران وليست في السعودية". ولكن، في العادة، تكبد قليلون عناء الاستماع إلى الرّد الإيراني الشّرس على التّهديد السّعودي. لقد أتى على وجه السّرعة من وزير الدّفاع الإيراني، حسين دهقان. وقال إنه "نحذرهم [السعوديين] من القيام بأي عمل أحمق"، "لكن في حال ارتكابها [السعودية] أي حماقة، لن يبقى فيها مكان آمن غير مكة المكرمة والمدينة المنورة". بعبارات أخرى، لقد حان الوقت للبدء ببناء ملاجئ ضد الغارات الجوية في الرياض وجدة والظهران، ومقرات أرامكو، وكل المواقع الأخرى العزيزة على قلب الأمريكيين.

في الواقع، من الصّعوبة عدم تذكر غطرسة سنية مشابهة -منذ أربعة عقود تقريبًا- لغطرسة محمد بن سلمان اليوم. هو يتفاخر بثروة بلاده، وبعزمه على تنويع قاعدته الاقتصادية وإثرائها وتوسيعها. في العام 1980، كان صدام عازمًا على القيام بالأمر ذاته. واستخدم ثروة النفط العراقية لإغراق بلاده بالطرقات السريعة والتكنولوجيا الحديثة والرعاية الصحية والمستشفيات والاتصالات الحديثة. ثم بدأ بـ "حربه السّريعة" مع إيران. لقد أضعف بلده الغني بالنّفط، وأذله في نظر العرب الباقين -الذين اضطروا لتسديد المال مقابل مغامرته الكارثية التي أدّت إلى غزو صدّام للكويت، العقوبات، والاحتلال الأمريكي-البريطاني في العام 2003، بالإضافة إلى إعدام صدام.

مع ذلك،  هذا يهمل البعد السوري. شرمين نرواني، وهي زميل سابق في كلية سان أنطوني -وترياق لكل "الخبراء" الدجالين في مراكز الأبحاث في واشنطن- أشارت هذا الأسبوع إلى أن الدّعم الأمريكي للقوات الكردية التي تقاتل تحت الاسم غير الشرعي "للقوات الديمقراطية السّورية"، من خلال التّقدم في الرّقة، يساعد على قطع سوريا عن العراق. وأنّه أفيد أن القوات الكردية الآن "تستعيد السّيطرة" على المدن العربية المسيحية أو المسلمة في محافظة نينوى في العراق، والتي لم تكن كردية أبدًا في المقام الأول. الأكراد ينظرون الآن إلى القامشلي والحسكة في سوريا  على أنهما جزء من "كردستان"، على الرّغم من أنّهم يشكلون أقليات في كثير من هذه المناطق. وبالتّالي، فإنّ الدّعم الأمريكي لهذه الجماعات الكردية -مع غضب السّلطان أردوغان والجنرالات الأتراك القلائل الذين ما يزالون مخلصين له- يساعد على تقسيم كل من سوريا والعراق.

لا يمكن لهذا الأمر الاستمرار، ولن يفعل. ليس فقط لأن من عادة الأكراد الخيانة -وستتم خيانتهم من قبل الأمريكيين حتى لو كان المجنون المسؤول حاليًا سيء التّصرف، تمامًا كما خانوا صدام في عهد كيسنجر- لكن لأن أهمية تركيا (مع أو من دون قائدها المجنون) ستتفوق دائمًا على المزاعم الكردية لإنشاء دولة. كلاهما من السّنة، وبالتّالي فإنّهم حلفاء "آمنون" إلى أن يتوجب التّخلي عن واحد منهما -وسيكونون  الأكراد لا محالة.

في الوقت نفسه، يمكنكم نسيان العدالة والحقوق المدنية والمرض والموت. الكوليرا تُحكِم قبضتها على اليمن الآن، ويعود الفضل في ذلك للقصف الإجرامي من قبل السّعودية - بمساعدة كبيرة من حلفائها الأمريكيين، وذلك قبل فترة طويلة من تولي ترامب  الرّئاسة-  ولا يكاد يوجد أي من الزّعماء المسلمين الذين يلتقيهم ترامب في الرّياض، من دون جلادين في الوطن ، لضمان أن يتمنى بعض المواطنين لو أنّهم لم يولَدوا أبدًا. سيكون من المريح للرّئيس الغريب الأطوار أن يغادر إسرائيل إلى الفاتيكان، على الرّغم من أنّها ستكون زيارة مقتضبة جدًا -وخالية من التّعاطف- من قبل صانع حقيقي للسّلام.

هذا يترك فقط دولة واحدة خارج حلقة هذه الفوضى المجيدة: روسيا. لكن كونوا أكيدين أن فلاديمير بوتين يفهم جيدًا ما يجري في الرّياض. وسيراقب انهيار الناتو العربي. وزير خارجيته لافروف يفهم سوريا وإيران بشكل أفضل من العاجز تيلرسون. وضباط الأمن لديه متوغلون في قلب سوريا. بالإضافة إلى ذلك، في حال احتاج إلى المزيد من المعلومات الاستخباراتية، سيكون عليه فقط أن يطلب ذلك من ترامب.

النص الأصلي

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus