موقع لوبلوغ: إميل نخلة: اصطفاف ترامب مع المستبدين السنة يخفي فهمه السّطحي للمنطقة

إميل نخلة - موقع لوبلوغ - 2017-05-31 - 1:34 م

ترجمة مرآة البحرين

أدّت زيارة ترامب إلى السّعودية إلى تقارير وتحليلات صحافية لا نهاية لها. وتبرز نقطتان أساسيتان في التّغطية الإعلامية. أولًا، الرّحلة كانت في غالبيتها عرضًا أكثر مما هي فعل. وثانيًا، لعب السّعوديون على تعطش ترامب للتّزلف والنّرجسية. كانوا يعلمون أنّه رجل استعراض متلون، وتصرفوا استنادًا لذلك. لقد أحبّ ذلك بالطّبع، ولقد أثبتوا أنّه بإمكان الأمراء البدو الأغنياء الظّهور على المسرح العالمي، للحظات عابرة على الأقل.

أي مشاريع ومراكز ومعاهد وصفقات أعلن عنها ترامب في الرّياض كانت إما قد انطلق العمل بها قبل توليه منصبه أو مجرد مذكرات تفاهم، وليس صفقات فعلية أقل فائدة من المطلوب. لقد تحدث عن "روعة" السّعودية، واستنكر "التّطرف الإسلامي"، ووصف الحرب ضد الإرهاب بأنها "معركة بين الخير والشّر".

الرّئيس ترامب وصف الشّراكة السّعودية-الأمريكية بأنّها "مبنية على المصالح والقيم المشتركة" وأرسى عقيدته المُتَصورة في ما أسماه "الواقعية المبدئية". ولسوء الحظ، فإن ما نتج عن الزّيارة كان "شراكة" قائمة على المصالح  فقط  وليس القيم. لقد فشل في  الإشارة إلى السّجل السّيء لمضيفيه ولجيرانهم البحرينيين والآخرين في مجال حقوق الإنسان. على الرّغم من أنّه أُعجِب بحذاء عبد الفتاح السّيسي، إلا أنّه [ترامب] لم يوبخه [السيسي] بشأن آلاف السّجناء السّياسيين الذين يقبعون في السّجون المصرية.

التّجارة تتفوق على القيم

ترامب ووزير خارجيته ريكس تيلرسون يعتقدان أنّ القيم، خصوصًا تلك تركز على حقوق الإنسان، تعرقل التّجارة والعلاقات الوثيقة مع المستبدين في الشّرق الأوسط وغيرهم. لقد سعت السّياسة الخارجية الأمريكية منذ السّبعينيات إلى الموازنة بين القيم الأمريكية -الحكم الجيد والحرية والمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان بشكل عام- وبين مصالحها. وقد سنّ الرّئيس الأمريكي جيمي كارتر التّقارير السّنوية للخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان، وهي تقارير يُفتَرَض بالسّفارات الأمريكية تقديمها عن ممارسات حقوق الإنسان في الدّول المضيفة. وقد تابعت إدارة كارتر والإدارات الدّيمقراطية والجمهورية المتعاقبة، مع  تقيدها بمتطلبات الإفادة عن وضع حقوق الإنسان، السّعي وراء المصالح الأمريكية في التّجارة والأمن وبيع الأسلحة ومكافحة الإرهاب.

يبدو أنّ الرّئيس ترامب في رحلته الدّولية الأولى رمى بهذه السّياسة خارج النّافذة. لقد كان التزم الصّمت بشأن آلاف السّجناء السّياسيين الشّيعة في السّعودية والبحرين، وأعطى بشكل  غير مباشر للحُكّام الخليجيين العرب الضّوء الأخضر للمُضي قُدُمًا في قمعهم وتمييزهم. في الواقع، وبمجرد أن غادر السّعودية، قامت قوات الأمن البحرينية بشن غارة على منزل آية الله الشّيخ عيسى قاسم، وهو رجل الدّين الشّيعي الأكثر بروزًا في البحرين،  في قرية الدّراز، الأمر الذي أدى إلى مقتل خمسة محتجين مسالمين على الأقل واعتقال حوالي 300 محتجًا. قوات الأمن السّعودية في المحافظة الشّرقية من المملكة، حيث يعيش غالبية المواطنين الشّيعة السّعوديين، تتصرف كما لو أنّها قوة احتلال. في الأسابيع السّابقة لزيارة ترامب، اعتقلت قوات الأمن السّعودية عشرات النّشطاء الشّيعة في تلك المنطقة. حرية التّعبير حُجِبت تمامًا في السّعودية والبحرين. وتسود ظروف قاسية جدًا أيضًا في مصر التي أقام رئيسها المستبد علاقة ودية مع الرئيس الأمريكي.

الغالبيات الشّيعية في البحرين والمحافظة الشرقية ترى الإشارة إلى "القيم" في خطاب ترامب كوصف للقيم المشتركة بين القيم التي تتشاركها عائلتان ثريتان مستبدتان -الأولى تدير شركة عائلية خاصة، والثّانية هي عائلة ملكية صحراوية تعيش في قصورها. وبينما كانت شعوب الخليج والشّعوب العربية الأخرى الخاضعة للحكم الدّكتاتوري تستمع إلى الرّئيس ترامب الذي يمجد القيم المشتركة مع أصدقائه السّعوديين الجدد، كانت ترى مواطنيها يعانون من الاعتقالات غير القانونية والتّعذيب والمحاكمات الصورية والإدانات.

وعلى نحو أكثر أهمية، كانت إيران تجري انتخابات حرة ومفتوحة، أسفرت عن انتصار لافت للرّئيس المعتدل حسن روحاني. الرّئيس المُنتَخَب ملتزم بالتّقارب مع الولايات المتحدة، ومع الغرب بشكل عام. وخطاب الرّئيس ترامب لغالبية الزعماء السّنة للدول العربية والإسلامية، المجتمعين في الرّياض -أفيد أنّ رئيس آذربيجان كان الزعيم الشّيعي الوحيد في التّجمع- كان تقريبًا دعوة للتّسلح ضد إيران على الرّغم من أنّ أغلب "الفاشلين الأشرار" الإرهابيين يعودون في أيديولوجيتهم المتطرفة إلى التّأويل السّعودي السّني للإسلام، وليس إلى إيران الشّيعية. الانتخابات البلدية والرّئاسية الإيرانية كانت تذكيرًا صارخًا بأن إيران هي إحدى الدّول الإسلامية القليلة التي تجري انتخابات متكررة وحرة نسبيًا.

النّتائج الأشد عمقًا للاصطفاف

الاصطفاف الواضح للرّئيس ترامب مع المستبدين السّنة دفع به إلى وسط الانقسام السّني-الشيعي القائم منذ قرون. إنّه أمر غير حكيم، ومضر على المدى الطّويل بوجود أمريكا ومصالحها في العالم الإسلامي, يبدو الرّئيس جاهلًا بتاريخ الإسلام ومختلف المدارس الفقهية في الإسلام السني. كما أنّه لا يدرك، أو ربما لا يهتم، لحقيقة أن أكثر المدارس الفقهية المتحفظة وغير المتسامحة هي أساس الإسلام السّعودي. كيف يمكن للرّئيس الأمريكي أن يتشارك "القيم" في بلد يبشر بأيديولوجيا دينية متضاربة ومضطربة، وضيقة الأفق، غير متسامحة مع اليهود والمسلمين، لا تحترم النساء، وتزدري حقوق الإنسان؟

بتحيزه، أغرق الرّئيس ترامب الولايات المتحدة في حروب الإسلام دعمًا لطائفة واحدة ضد الأخرى. ما تزال أمريكا متورطة في العراق على الرّغم من أن غالبية سكانه من الشّيعة. ومن خلال ذلك، قوض ترامب دور أمريكا كوسيط غير متحيز لمصالحة محتملة بين إيران وجيرانها العرب. وحتى داخل الدول الإسلامية السّنية، فإن العلاقات الودية المتنامية للرّئيس مع المستبدين المسلمين الفاسدين -سواء في بلاد الشّام أو الخليج أو آسيا الوسطى- سوف تبعده وأمريكا بالتأكيد عن الشّعوب العربية السّنية.

خطاب الرّئيس ترامب في الرّياض عن الإرهاب والتّطرف يعكس أيضًا عدم معرفته بالعوامل التي تؤدي إلى الإرهاب. هو محق في الإشارة إلى أن دول المنطقة يجب أن تشارك في الحرب ضد الإرهاب وتحرم الإرهابيين من ملاذ آمن في هذه الدّول. مع ذلك، فإن  الأيديولوجية هي عامل واحد فقط. ومن العوامل الأخرى ذات الأهمية، سياسات النّظام المتعلقة بالقمع والفساد والسّياسات الاقتصادية السّيئة والافتقار إلى فرص العمل.

بيع الأسلحة إلى السّعودية أو مصر أو البحرين، على سبيل المثال، يساعد على إيجاد فرص عمل في أمريكا لكنّه لا يساهم في إيجاد وظائف للشّباب السّعوديين أو البحرينيين أو المصريين. وإن كان الرّئيس مهتمًا بتعزيز السّلام والاستقرار في المنطقة -وفي الوقت ذاته إظهار القيم الأمريكية عن العمل الجاد والمواطَنَة المنتجة- كان ينبغي به التّحدث أكثر عن روح المبادرة التّجارية وخلق فرص العمل وحرية التّجربة والابتكار.

إن كان الرّئيس ترامب ملتزمًا فعلًا بمكافحة التّطرف، عليه أن يدرك أنّه لا يمكن القيام بذلك من خلال إقامة تحالفات عسكرية أو إنشاء معاهد إعلامية على غرار المركز العالمي لمكافحة أيديولوجية التّطرف أو مركز استهداف تمويل الإرهاب، وهو الأمر الذي أشار إليه في خطابه.

لقد قال الرّئيس على نحو صحيح لمستمعيه إن الملايين من الشّبان العرب، رجالًا ونساء، "يسعون إلى بناء مستقبل أفضل، والانضمام إلى مشاريع وطنية كبيرة، وإيجاد أماكن لأسرهم يمكن لهم وصفها بالوطن". لكنه أهمل تذكير المستمعين إليه بأن هذه التّوقعات تبدا بالإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الفاسدة وفتح أبواب الحرية لشعوبها.

إنّ الفضول والتّحقيق والبحث عن مستقبل أفضل يقوم على الكرامة والعمل الصّادق وحرية التّجربة، يجب أن يبدأ بإزالة نير القمع والفساد. لقد حدّد التقرير العربي الأول للتّنمية البشرية في العام 2002 ثلاثة "أوجه رئيسية للعجز" -الحرية وتمكين المرأة والقدرات/المعرفة البشرية- يجب على الأنظمة والحكومات العربية معالجتها في حال أُريدَ للمنطقة تحقيق إمكاناتها. وبعد مرور عقد ونصف، ما تزال هذه العوائق على حالها [لم تتم معالجتها] لأن الأنظمة تركز على بقائها وعلى مراكمة الثّروات في حين لديها أقل قدر من المخاوف بشأن أوضاع مواطنيها.

لم يجرؤ الرّئيس ترامب على النّظر في أعين جمهوره المحب وشرح هذه الحقائق غير الملائمة. لقد احتاج لأن يتم تملقه، وقد لبّوا ذلك.  لقد سلك الطريق السّهل بالقول إنّه "لسنا هنا لنلقي المحاضرات - لسنا هنا لنقول للشعوب الأخرى كيف تعيش، وما الذي عليها القيام به، ومن تكون أو من عليها أن تُبَجل". لقد ذهب الرّئيس إلى المنطقة كصانع صفقات وبائع لصناعات الأسلحة الأمريكية. لقد تحدث عن الإسلام والإرهاب وإيران والصّراع الفلسطيني-الإسرائيلي من دون الإفادة من مشورة الخبراء في أي من هذه المجالات. وبعد مهارة عظيمة في الأداء في الرّياض والقدس وبيت لحم، غادر وعائلته المنطقة من دون الكثير من النّتائج أو الإفادة لشعوب تلك المنطقة التي مزقتها الحرب.

كان على الرّئيس ترامب أن يتصدى لـ "أوجه القصور" من خلال حثه المستبدين والملوك المجتمعين على فتح مجتمعاتهم للحرية، وتمكين النّساء، وتطوير المعرفة والبحوث. لكنه لم يفعل، وبذلك خسر فرصة تاريخية في إعادة تشكيل الشّرق الأوسط.

النّص الأصلي

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus