علي العكري في يوم 17 فبراير: سقط الضحايا وسقط تاريخ الطب ولم يسقط الوزير « 3 »

2012-10-10 - 9:22 ص


مرآة البحرين (خاص): هذه الحلقات لم يُكتب لها أن تكتمل. قرار القبض كان أسبق منا وأنفذ.. الأربعاء 3 أكتوبر كان هو موعد جلستنا التالية مع الدكتور علي العكري. لكن نطق محكمة التمييز بتأييد حبسه لـ5 سنوات سبقنا في 1 اكتوبر، وتنفيذ قرار (القبض) سبقنا في 2 أكتوبر. 

سننشر ما أُنجز منها، مما خصنا به قبل أن يصير في قبضة الجلاد مرة أخرى، وسنكمل معكم يوماً باقي تفاصيل الحكاية، بلسان العكري نفسه.. 
نعدكم بذلك، ونعد التاريخ.. نعدكم أن نبقى أوفياء، نكتب تفاصيل كل سيرة صنعت هذه اللحظة الوطنية التي ما زلنا نعيشها، فتاريخ 14 فبراير هو مجموع هذه السير.

في الحلقة السابقة عايش العكري لحظات الهجوم الأول على الدوار فجر 17 فبراير. الهجوم المباغت للمعتصمين النائمين، والذي حاصر منطقة الدوار من 3 جهات، وترك جهة وحيدة للفرار.

جثة مقيدة..

الخيمة الطبية امتلأت بالمختنقين بالغاز، وفي الخارج الفوضى عارمة، والجميع يلوذ بالفرار من الموت، حتى الآن لا يعلم العكري عن الإصابات الخطيرة التي وقعت والتي لم تتمكن من الوصول إلى الخيمة الطبية. 

عاد العكري إلى البيت بعد أن أوصله أحدهم. كان لا يزال مختنقاً وبالكاد يجمع أنفاسه حين جاءه اتصال من صديقه الذي كان معه في الخيمة. لم يكن العكري حينها يعلم بما جرى داخل الخيمة ولا يدري ما حدث لأصدقائه، بينهم ابن عمه الدكتور صادق العكري. كان صوت صديقه على الهاتف يسأله: أين صادق العكري؟ ويخبره بأنه اتصل بهاتف صادق، فأجابه أحد رجال الأمن ورد عليه بكلام بذيء. يقول علي العكري "فهمت حينها أن صادق صار في قبضتهم". 

العكري وصديقه خرجا عند الساعة الرابعة فجراً متوجهين إلى مستشفى السلمانية، " لم أكن مستوعباً بعد لما كان يحدث، كأني في كابوس لا يريد أن ينتهي، كنت (على الكول) ليلتها أي يتم الاتصال بي وقت الحاجة، اتصل الطبيب المناوب داخل المستشفى وقال لي تعال سريعاً لدينا الكثير من الجرحى. وصلنا لتقاطع السلمانية وكان الطريق مغلقاً، توجهنا إلى البوابة الخلفية عند باحة الطوارئ. كانت الفوضى عارمة، الحشود تملأ المكان والعشرات من المصابين والناس في حالة هستيرية، لم يكن صباحاً يشبه أي صباح آخر، كان المكان لجة حزن". 

باشر العكري معاينة المصابين الذين تم حملهم إلى المستشفى عبر الإسعافات وعبر السيارات الخاصة. "صار تحت يدي 8 حالات كسور مصابة بطلقات الشوزن من مسافة قصيرة جداً. لم يكن يعنيني بالدرجة الأولى حالات الاختناق حينها. كانت الفوضى عارمة داخل الطوارئ، قررت أن نُدخل المرضى لكي يفرغ الطوارئ لاستقبال حالات جديدة، كان لابد من اتخاذ قرارات سريعة".

الشهيد محمود أبوتاكي كان أول الواصلين من الضحايا. يتعجب العكري: "الغريب أنه بالرغم من أنهم أحضروه إلى المستشفى وهو   جثة ميتة، إلا أن يده كانت مقيدة! صادق العكري أيضاً أتوا به المستشفى في حالة مزرية. كان مقيداً أيضاً".

الرأس المفضوخ

كان صادق العكري قد استيقظ على صوت القصف فجراً في الدوار، خرج من الخيمة ليشاهد امرأة تبحث عن طفلها، همّ بمساعدتها قبل أن يجد نفسه محاصراً بقوات الأمن. كان يرتدي الرداء الأبيض، ورفع لهم يده: أنا طبيب. لكن ذلك لم يكن يعنى شيئاً بالنسبة لهم. هجموا عليه بالركلات والضربات من كل صوب بأعقاب البنادق حتى سقط على الأرض " أحضروه في حالة مزرية، كانت ثيابه ملطخة بالدم ويصرخ من شدة الألم. كان ينزف من أنفه وتحت عيونه. تكلمت معه فلم يعرفني، كان مستوى الوعي لديه سيئ جداً ويداه مكبلتان. فككنا قيده وفحصناه ووضعنا له مغذي (سيلان) وأخذناه لقسم الأشعة المقطعية، قلقنا أن يكون عنده نزيف داخلي، وجدنا عنده كسور كثيرة، نقلناه إلى جناح 11. اتصلت بالدكتور أحمد جمال رئيس جمعية الأطباء، قلت له: عليك مسؤولية كبيرة جداً. لا بد للجمعية أن تأخذ موقفاً مما حدث اليوم، صادق العكري كاد أن يموت، الطواقم الطبية ضُربت، لا بد من موقف يدين ما حدث".

الاستنفار والألم، كان هذا هو ما شعر به العكري وسط ما عايشه وشاهده حتى تلك اللحظة. لكن الاستنفار لم يلبث أن تحول إلى صدمة صاعقة: "كان المشهد الصاعق التي صدمني وجعلني أرتج بكلي، هو مشهد دخول جثة الحاج عيسى، لم أصدق عيني وأنا أرى الرأس متفجراً بهذا الشكل المريع. ضج المكان بالصراخ والبكاء. بالكاد استطعت أن أمسك نفسي من الانهيار. هي المرة الأولى التي أرى فيها هكذا منظر، حتى في غزة لم أشاهد مثله رغم كل الجثث التي مرت علينا. من الواضح أنها طلقة من مسافة قصيرة جداً. من الواضح أنها استهداف بقصد القتل. كنت أصرخ: كيف حدث هذا القتل؟ هل نحن في حرب؟ معقول ما أرى؟ مع من نعيش نحن؟ لماذا يحدث كل هذا؟"

 
اختفاء الإسعاف

استمرت الإصابات في التوافد، والكادر الطبي بين مصدوم ومنهار وغير مصدق لما لم يره قبلاً إلا في أفلام الحرب، لكن الجميع كان يعمل بأقصى طاقته لإنقاذ ما يستطيع، "بقت الإصابات تتوافد. إسعاف وراء الآخر. شقشق الصباح ولا تزال الإصابات تأتي. بعدها بدأت تأتي الإصابات في سيارات خاصة. كانت الساعة السادسة والنصف حين توقفت خدمات الإسعاف بشكل مفاجئ. استغربنا. واستغربنا أكثر حين اختفت سيارات الإسعاف من مجمع السلمانية الطبي. علمنا فيما بعد أنها مُنعت من الوصول للدوار. سألنا: كيف؟. قالوا: تعليمات، لأن الطواقم التي ذهبت ضُربت من قبل قوات الأمن. لم نكن حينها نعلم عن تفاصيل الاتصال بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة الذي انكشف فيما بعد، والذي فضح أمر الداخلية بمنع سيارات الإسعاف عن الذهاب لانقاذ المصابين". 

لم ينته هذا الصباح المثقل بالصدمات، أخبار تصل عن إصابات لا يستطيع أحد الوصول إليها، أخرى عن جثث ملقاة في الطريق لا يستطيع أحد التقاطها، لا أحد يعرف ما هو الحقيقي فيما يقال مما هي تصورات أو إشاعات أو توقعات، لا أحد يعلم لأنه لا أحد يستطيع الوصول إلى الدوار ولا إلى المنطقة المحيطة، تمت محاصرتها بالكامل. سيارات الإسعاف اختفت ولا أحد يعلم عنها شيئاً. ما العمل؟

"عرفنا فيما بعد أن هناك جرحى كثيرون من منطقة القفول ومني وسنابس والبرهامة، إصاباتهم: كسور وجروح واختناقات. أسعفهم الأهالي، بينهم طبيبة كويتية اعتقد بأنها آوت بعض المصابين في شقتها التي تطل على الدوار. وهي شاهد عيان على ما حدث في 17 فبراير بكل تفاصيله، كتبت ما شاهدته بعد ذلك في إحدى وسائل الاعلام العالمية. اتقيت بها فيما بعد العودة للدورا في الخيمة الطبية وقالت لنا بما شهدته".

بيان الأطباء..

يكمل العكري: "في هذه الأثناء التي منعت الإسعافات عن الخروج، كانت هناك إصابة علي المؤمن، في تسجيل الاتصال الذي تم بين وزارة الداخلية ومسؤول الإسعاف الذي فُضح فيما بعد، كان يقال إن جثة ملقاة بين محلات الحواج وإشارة القفول. رجال الأمن كانوا قد أغلقوا الشوارع عند (محلات الحواج). بقينا ننتظر لا نعرف كيف نتصرف. كل دقيقة تمر قد تنقذ حياة إنسان من الموت، ونحن عاجزون عن فعل أي شيء. لم يعد يصلنا مصابون. علمنا أن الإسعافات قد تم حجزها في مركز كانو الصحي. البعض صرخ غاضباً: نحن سنحرك الإسعافات. انطلقنا بشكل عفوي في مسيرة   احتجاجية عند الساعة الثامنة صباحاً تقريباً. كان الشعار: يسقط يسقط الوزير. تسقط تسقط الإدارة. انطلقت المسيرة بمحاذاة كلية الطب. حاولت إيقاف المسيرة. قلت لهم: من العبث التفكير في تحريك سيارة الإسعاف، هذا ليس عملنا، دعونا نعود. تمكنت من إقناعهم. حرفت المسيرة وأرجعتها باتجاه قسم الطوارئ". 

الساعة تجاوزت التاسعة صباحاً. الآلاف من الجماهير الغاضبة تتجمهر أمام مدخل الطوارئ، الطاقم الطبي وقف جانباً عند زواية كلية الطب. " كان معنا عدد من الأطباء بالإضافة الى رئيس جمعية الأطباء أحمد جمال وقاسم عمران. بادر مجموعة من الأطباء (معظمهم من الجيل السابق لنا) لعقد اجتماع في المستشفى مع أعضاء من مجلس إدارة الجمعية، تحديداً في غرفة الاجتماعات في الطابق الثالث. لم أكن معهم، كنت حينها أقف متضامناً مع الكوادر الطبية التي ضربت وضد توقف خدمات الإسعاف وتواطـؤ وزارة الصحة. 

أتى أحمد جمال مكان وقوفنا عند باب الطوارئ ومعه صيغة بيان. ناداني وعرض علي البيان. كان ركيكاً جداً ولا يمثل موقفاً يتناسب مع فداحة الحدث. قلت له ذلك وأضفت: حتى اسم صادق العكري لم يُذكر. شاركني الرأي عدد من الأطباء.   رفضناه تماماً. الوضع كان انفعالياً ومشحوناً بالغضب. البعض صعّد في وتيرته مع جمال. اعتبروه محابيا ومتواطئاً، انفلتت بعض الكلمات مثل خيانة. في هذه اللحظة حاولت أن أتدارك الموقف، احتضنت جمال، كان هدفي حمايته. قتل لهم: يا جماعة هذا جمال وطني مخلص وهو من جمعية وعد. احتضنته. حاولت تهدئه الانفعال الذي كان مسيطرا على الجميع. هتفت بشعار: أحمد جمال وطني حتى النخاع. صار الجميع يرددها. أخذوا يصفقون. أخذته من يده، ومشيت معه نحو الكادر الطبي الذي كان يقف جانباً (كنا حريصين أن نقف جانباً كي لا نعيق مدخل الطوارئ). أخذ جمال الميكرفون وألقى كلمة، أدان فيها موقف وزارة الصحة، لكن لم يقل بإسقاط الوزير".

يسقط الوزير..

 
الغضب كان عارماً داخل المستشفى والهتافات المطالبة بإسقاط الوزير تنطلق من كل مكان حتى في الممرات. الساعة تجاوزت العاشرة صباحاً ولا تزال الإسعافات محجوزة والاستغاثات تصل دون أن يصل إليها أحد. " توجهنا إلى مكتب الوكيل المساعد أمين الساعاتي، الكل منزعج ويتهرب من المسؤولية. كان عددنا 20 ومكتبه صغير والجميع منفعل. حاولت التهدئة لنتمكن من الكلام. قال ماذا تريدون؟ قلت: ما يحدث هو خزي، اسمحوا للإسعافات أن تتحرك، أنت مسؤولنا فلو سمحت تحرك من أجل هذا الموضوع. الاستغاثات لا تزال تصلنا حول جرحى ومصابين. اتصل الساعاتي في الوزير. أجابه الوزير بأنه سيتواصل مع الداخلية وسيرى الأمر. بعد وقت من الانتظار جاءت الموافقة بخروج الإسعافات لمحيط الدوار مع ضمان توفير الأمن لها. قال لنا سيحضرون 7 إسعافات مجهزة من مركز كانو. طلبنا منه أن ينزل إلى الجماهير الغاضبة ويطمئنها أن سيارات الإسعاف قادمة. قلنا له أنت مسؤول وكلمتك لها تأثيرها عند الناس. أتى معنا عند بوابة طوارئ الولادة. سألناه: متى تصل؟ قال: في غضون 10 دقائق. وقفنا نعد الدقائق تنازلياً. نعد الدقيقة من الـ1 وحتى الـ60، ثم نعيد حساب دقيقة أخرى، بعد 4 دقائق وصلت سيارات الإسعاف".

يتذكر العكري: "اتصلت بوزير الصحة في هذه الاثناء. قلت له بشكل صريح ومباشر: أبو نواف. ما حدث اليوم في مجمع السلمانية الطبي، وطريقة تعامل الوزارة مع الأزمة، هو خزي وعار على تاريخ الطب في البحرين، وخزي وعار على وزارة الصحة، وكونك أنت على قمة الهرم الصحي، أنصحك أن تقدم استقالتك حفاظاً على تاريخك. قال لي: من أنت لتطلب مني الاستقالة؟ أجبت: موظف صغير، حريص على سمعة الوزارة وسمعة مهنة الطب. أضفت: أينك أنت؟ البلد مقلوبة والمستشفى فوضى عارمة، وأنت تجلس في مكتبك، كان يجب عليك أن تكون هنا".

الإسعاف خائباً..

تفقد المكان كان هو الهدف من الإصرار على خروج الإسعافات. رجال الأمن ورجال الدفاع ينتشرون في محيط الدوار. "عند إشارة القفول تم إيقافنا من قبل قوات الأمن، ثم أوقفتنا بعدها قوات الجيش. بعد اتصالات سُمح لنا بالمرور. 3 إسعافات وصلوا بالفعل محيط الدوار. كانت السيارة تسير فوق موج من الأحذية وعبوات المطاط. في هذا الوقت أزيل ما يقارب 80٪ من الخيم. كانت الجرافات ترفع الخيام والمضائف. لم نر أحداً، شعرنا بالخيبة. خرجنا باتجاه مطعم الأبراج. كنا قد فتحنا صوت الإسعاف لربما حالة طارئة تسمعنا فتصلنا. فُرض علينا أن نغلقه مع التهديد. أمام مطعم الأبراج باتجاه مجمع الدانة شاهدت صحافيين أجنبيين، ركبا معنا في الإسعاف وخرجنا. عند كل مفترق طريق كانت هناك نقطة تفتيش. عند تقاطع المؤيد أوقفونا وقالوا لنا: لديكم كاميرا. نفينا. الصحافي الأجنبي الذي كان يحمل الكاميرا ويقوم بالتصوير فكك كاميرته بشكل سريع وألقاها تحت الكرسي، وأظهر كاميرا شخصية صغيرة. سأل رجل الأمن: من أنتم؟ قلت: أنا طبيب عظام وأظهرت بطاقتي، وعرفت الباقين أنهم طاقم طبي. لم يصدقوا في البداية وراحوا يتجادلون قبل أن يسمحوا لنا بإكمال الطريق". 

عند الثانية عشر عادت سيارات الإسعاف، البعض عثر على حالات بسيطة. كان جمهوراً حاشداً ينتظر في باحة الطوارئ "شعرنا أننا نجر أذيال الانكسار إن لم نتمكن من مساعدة أحد في الوقت المتأخر. استقبلونا. كان البعض يتحدث في ميكرفون صغير. تمت جرجرتي للكلام عبر الميكرفون. قلت ملاحظاتي بانكسار وألم: المكان مجرّف، المنظر كئيب جداً، آثار الأحذية الملقاة في المكان، عبوات الطلقات التي تملأ المكان، أشبه بأعقاب ساحة حرب ليس بها غير المخلفات. عبرت عن مشاعري بالخيبة أننا ذهبنا متأخرين. بعدها تكلم كل من الطبيبين عبد الخالق وغسان". 

بعد نهار كئيب..

"كان اليوم طويلاً ومنهكاً وعصيباً وكئيباً. قضيت باقي اليوم في المستشفى أتفقد حالة صادق وصحته وأطمئن عليه. الألوف من المعتصمين الذين كانو قبل ليلة في الدوار، تحولوا جميعهم إلى باحة الطوارئ. جموع من المحتشدين وضعوا طاولة، معظمهم لم يكونوا من منتسبي وزارة الصحة. الصحافة العالمية كانت موجودة، صارت لي لقاءات مع بعضها قبل أن أعود البيت مثخناً بالتعب والألم. 

ألقيت بنفسي في سريري كي أنام. عيناي ترفضان النوم. ترن في أُذني كلمة الوزير: "من أنت لتطلب مني الاستقالة؟" كان رداً استهتارياً ولا يمكن أن يصدر عن إنسان مسؤول. أحداث اليوم الصاخبة تتقافز أمامي بقلق وشعور عميق بالواجب وبالمسؤولية، وسؤال ماذا يجب علي أن أعمل. الليل يوشك أن ينتهي وأنا محاصر بالأفكار والصور والمشاهد. صوت أذان الفجر يتخلل شرودي. ينادي حي على خير العمل. أقوم للصلاة، ولا أعود للنوم"

ماذا حدث يوم الجمعة 18 فبراير؟ في الحلقة القادمة.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus