إبراهيم الدمستاني: شهادة فخراوي رفعت العذاب عن أجسادنا ولجنة بسيوني رفعت العصابة عن أعيننا.. «3-4»

2012-11-21 - 6:05 ص


مرآة البحرين (خاص)
البحرين - ابتسام صالح



صدفة ربما أو باعث من القدر أوعز لنا إلى إجراء هذا اللقاء، مع شخص بتنا نعرف أنه صار وراء القضبان الآن. كنا قررنا في «مرآة البحرين» في بداية شهر رمضان الماضي، القيام بمهمة كتابة سير «الكادر الطبي». كنا نرى أن مأساتهم لا تشبه أي مأساة. ويستحقون لذلك أن يعرف الناس، شيئاً آخر من صميم حياتهم، غير ما عرفوه. وضعنا الأجندة، وقمنا بالمهام. كان إبراهيم الدمستاني أحد هؤلاء. لم نكن نعلم، وربما حتى ولا هو، أن الفسحة الوقتية التي منح إياها خارج السجن، ستنتهي به إلى السجن ثانية. على العموم، فنحن قد التقيناه. أجرينا حوارات مطوّلة معه، إضافة إلى سواه. حين عدنا لتحرير حوار الدمستاني، وجدنا أن في لغته  من بلاغة التعبير، معطوفة على تجربة مرّة، ما يمكن معها قول كل شيء. استغنينا عن أسئلتنا، وأبقينا متعة السرد العجيبة التي كانت تتدفق من لسانه كما تتدفق من لسان واحد من أولي الفصاحة والتعبير. في هذه الحلقة نتحدث عن الدمستاني قبل تجربة 14 فبراير حتى الدخول فيها ثم يباشر إبراهيم الدمستاني عرض تفاصيل الأسبوع الأول من الاعتقال. كيف تمّ اعتقاله، وإلى أين تم اقتياده ومن الضباط الذين أشرفوا على تعذيبه... وأين! لنتركه يتحدث بنفسه..


بعد استشهاد علي صقر، وزكريا العشيري، وكريم فخراوي، جيء بالعميد يوسف بو علي كمفتش عام على أحوال سجن الحوض الجاف، وهو أول من زارنا من العمداء والضباط. كان إنسانًا محترمًا، معاملته لطيفة مع المسجونين، يتفقد الزنازين، والعيادة، والأكل، والخدمات، يناقش، يحاول حل المسائل، يذلل العقبات، ويأخذ قرارا في طلبات المساجين، ويعطي أوامر إيجابية بحدودها الممكنة. وجوده كان رحمة بنا بعد المعاملة القاسية في قسم التحقيقات. 

مرَّ علينا أيضًا هناك شرطي باكستاني يدعى خالد إسحاق، نذكره بتعامله الراقي، للأسف اتهم فيما بعد بقتل الشهيد علي صقر لأنه توفي خلال نوبة عمله، أدخل إسحاق السجن ككبش فداء، تمهيدًا لتبرئته، في حين أن القاتل الحقيقي حر طليق. وهناك أيضًا ثلاثة من الشرطة الباكستانيين يدعون: "ولي خان"   و" قيّـــوم"   و" كاري أبو عمر" من الذين تُشهد لهم معاملة حسنة معنا.
 

مركز الإعلام في الزنزانة 7

كنت مع د. صادق عبدالله وآخرين في الزنزانة 7 نمثل   مصدرًا للخبر في العنبر. كنا نلتقط الأخبار من هنا وهناك، تسريبات من العنابر الثانية، ومن تردداتي الكثيرة على المستشفى للعلاج، نجمعها ثم نصيغها بشكل إيجابي لرفع المعنويات المتهالكة عند عموم السجناء. سمعنا عن وفاة الشيخة موزة، والدة رئيس الوزراء وجدة الملك، نقل لنا هذا الخبر أحد المترددين على العيادة من معتقلي المراكز، أشعت الخبر من خلال نافذة الزنزانة الصغيرة: "اسمعوا يا شباب.. في عزاء جدة الملك، استقبل الملك الشيخ علي سلمان بالأحضان، هناك بصيص أمل إذًا".

كنا نحاول خلق جو من المرح يخفف الهم الجاثم على الصدور. أحيانًا أصرخ وأنا خارج من زنزانتي: " اللهم أدخل على أهل السجون السرور"، فأسمع الزجرات من الشرطة : "دمستاني لا تتكلم"، فأجيبه بدعابة: " هذا الدعاء أوصتني أمي بقراءته كي أخرج من السجن". نضحك. ذات مرة تجرأت في ممر العنبر قائلًا: "منصورين والناصر الله". كان الكلام ممنوعًا نعاقب عليه بتنظيف مكان أو عمل شيء آخر.

المحكمة العسكرية

أخبرونا مساء الأحد ليلة الإثنين، الموافق 5 يونيو/ حزيران، أن استعدوا غدًا بعد صلاة الصبح. نستعد لماذا؟ إلى أين؟ لا نعلم. الخبر الناقص الغامض جعلنا أسرى في مهب الأفكار المتضاربة بين الإيجابية والسلبية. هذا الغموض لم يُرحني لكن البعض وضع له تصورات إيجابية، خصوصًا د. سعيد السماهيجي وغسان ضيف وصادق عبدالله، أن (يا جماعة) تفاءلوا بالفرج، غدًا الإفراج والخلاص. 

تلك الليلة لم ينم السجناء، الفرحون منهم والقلقون. بدأ استعدادنا، بعضنا بالاستحمام، بعضنا بإعداد لباسه وغيره. بعد صلاة الصبح خرجنا من زنازيننا. جاءونا في العنبر كي يتأكدوا من قوائم الأسماء، بعدها فصلونا إلى مجموعتين، هنا بدأت أتشاءم، صدق حدسي حين بدأوا يضربوننا، وازداد ضيقي عندما سمعت صوت الأصفاد وهي تطوق أيدينا. دفعونا بقوة فصدم د. عبدالله الدرازي بباب الباص فجرح أنفه ونزف.

وزعونا في باصين أو ثلاثة إلى مركز إيواء المساجين بأسري لتناول الفطور. هناك وضعونا جميعًا، أصحاب الجنح والجنايات، في غرفة صغيرة، وما زال كل واحد منا يتخيل مصيره الذي يمليه عليه إحساسه. لكن د. صادق عبدالله ما فتئ يقاوم اليأس ويطمئن الآخرين كي يرفع المعنويات. أسماه السجناء بــ "الأب الروحي" لأنه دائمًا يرسم سيناريوهات إيجابية ويجعلهم يصدقونه. ربما لأن مظلوميتنا الاستثنائية جعلته يفكر كذلك فلا يكف عن التخمينات المبهجة. لكن هل سيصدقونه بعد أن صمدوا أعيننا قبل أن نركب حافلتين كوستر؟

في الطريق بدأنا نفكر ونخمن إلى أين المسير؟ هل وجهتنا إلى سجن القرين أم إلى السعودية؟ أم إلى أين؟ الدرب كان طويلًا والهم أطول، والعسكريون يغرقوننا في الغموض.  وصلنا.. عرفتُ أننا في المحكمة العسكرية لأني رأيت من خلال العصابة أحذية قوة الدفاع.

بدأوا بمناداتنا. جاء اسم: علي عيسى منصور.. أجاب. عندما انتهوا من الأسماء سألوا: "وين العكري؟" فأعاد الإجابة : نعم، لم يميزوا الاسم بدون اللقب. مجرد أن عرفوه أمطروه بالإهانات: "يا العكري عكّرت جو البحرين".

أوقفونا لمدة طويلة في الشمس خارج قاعة المحكمة. كنت أتخيل منظرنا وهم يقودوننا مع صوت السلاسل كأننا مقطع من فيلم هوليوودي. أدخلونا قاعة المحكمة، وعندما رفعوا عنا العصابات رأينا نساء الكادر الطبي المحاكمات بقضايا الجنح والجنايات. في القاعة كان موجودًا السيد بوسنر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون حقوق الإنسان، فرآنا والتعب والإرهاق باديان علينا من جراء الوقوف في الشمس خارج قاعة المحكمة، ورأى هندامنا المزري، أثار استياءه واستياء القاضي أيضًا، الذي أمر بألا يرانا على هذا الحال في المحاكمات القادمة.

تلى القاضي جملة الاتهامات. كأنها تتلى ضد عصابة مسلحة: احتلال المستشفى، الترويج لقلب النظام، حيازة أسلحة بدون ترخيص، الاستيلاء على المعدات الطبية. ثم قدم المحامون طلبا بلقاء موكليهم فوافق القاضي، وقررت هيئة المحكمة تأجيل الجلسة لأسبوع، حتى لقاء المحامين بموكليهم، وأيضًا لحين استكمال إجراءات تعتبر بديهية ومن صميم أدبيات المحاكمات والمرافعات.

كانت أجواء المحكمة رهيبة ومهينة ختمت بلقاءات الأهالي. التقيت بالأهل باسمًا مستبشرًا كي أطمئنهم.  وهنا ميّزت رولى الصفار التي هالني شيبها ونحولها، شعرت بأسى تجاهها، لقد كبرت سنينا دفعة واحدة.

اكتئاب التوبلاني

بعد عودتنا من المحكمة سقط الغالبية في وجوم وإحباط شديدين. محمود أصغر وأحمد عمران وقعا في صدمة نفسية. غسان ضيف أصيب   بتذمر نفسي. حسن التوبلاني سقط في اكتئاب ملحوظ، كان يصمت كثيرًا، ويأكل قليلًا. لم تكن للتوبلاني تصريحات أو مشاركات في المسيرات والدوار، كان يرى دوره في رعاية الجرحى بقسمه في العناية المركزة، حاول إنقاذ حياة الشهيد علي المؤمن. فكان جزاؤه الجناية.  بادرتُ مع د. صادق عبدالله لمساعدته، خاطبنا المسؤول، ناشدناه، فسمح له، كحالة استثنائية، بالتشمس مدة ساعة واحدة يوميًا.

العبادة والصفاء الروحي..

يمنح السجن فرصة الاختلاء والتأمل والعبادة. غالبية السجناء صار يؤدي صلاة الليل ويداوم عليها.. توزعت الأدوار بين رفقاء الزنزانة الواحدة. اهتم الدكتور صادق جعفر بتدريسنا تجويد القرآن. استثمرنا الوقت في ختم القرآن كل ثلاثة أيام بمشاركة عشرة أشخاص، بحيث كل شخص يقرأ جزءًا واحدًا في اليوم ونُهدي ثواب الختمة إلى جميع الشهداء، سنّها الدكتور نادر ديواني وأشرف عليها.

صار لدينا درس ديني في شرح المسائل الفقهية يختص به الصيدلاني علي جعفر، وهو أيضًا من يؤم بنا صلاة الجماعة، وبعد الإفراج عنه ناب عنه ديواني. أما علي العكري فتخصص في شرح قصص الأنبياء.

ذات جمعة طلبنا من الدكتور باسم ضيف أن يصلي بنا جماعة صلاة جعفر الطيار، وهي من الصلوات الطويلة المعروفة، جلسنا نؤديها بإمامة باسم الذي كان يحفظها كاملة.  كنا 8 أشخاص في الأثناء دخل شرطي باكستاني سيء المعاملة وهو أحد مسؤولي العنابر، رآنا نصلي فمضى، ثم عاد ثانيةً وما زلنا في الصلاة فانزعج، لأن الصلاة الجماعية في السجن تعتبر نوعًا من التجمهر غير المسموح، أمر بنقل ضيف إلى زنزانة أخرى وأتوا بصادق عبدالله مكانه.

المحكمة الثانية

 
في 13 يونيو/حزيران، قبل موعد المحاكمة الثانية، وقبل المشوار، جاءنا الشرطي السيء المعاملة علي زيد، ليتفقد لباسنا ويتأكد أنه لائق ولن يثير استياء القاضي مرة أخرى.

في هذه الجلسة حضر الضابط سيء الصيت مبارك بن حويل ضمن شهود الإثبات. وكانت أطرف كذباته التي تورط فيها عندما اتهم العكري بحيازة الأسلحة، مدعيًا أن المتهم الأول علي الصددي هو من اعترف عليه، في حين أن الصددي لم يقبض عليه حتى الآن ولم يحقق معه.

بداية التحسينات وترفيهنا الخاص..

بعد الجلسة الثانية تحسنت ظروف السجن بأدوات الحمام الجديدة مثل توفير نوعية جيدة من صابون الاستحمام، كما وفروا لنا أكواب شاي"Mugs".  سمحوا لنا بقراءة القرآن الكريم من خلال نسخ القرآن المركونة في غرفة الحلاقة، ثم شيئًا فشيئًا سُمح لنا بالكتب الدينية وكتب الأدعية. وسمحت لنا تلك الانفراجات فيما بعد بالتحادث مع الشرطة والحراس.

في أواخر يوليو/تموز سمحت لنا إدارة السجن بالتجول في الملعب في استراحة نصف ساعة بواقع مرة في الأسبوع، كما سمح بالتدخين في ساحة منشرة الثياب، بحيث يسمح لنزلاء الزنزانة الواحدة بارتيادها مدة ربع ساعة، أي كل مجموعة على انفراد، وذلك بواقع يوم ويوم.

أيضًا، صار السجن يوفر لنا وجبات مميزة، ففي يوم الأحد صالونة دجاج، وفي يوم الثلاثاء برياني دجاج، وفطور الأربعاء بلاليط (شعيرية) بالبيض المقلي).
 
السجناء تفننوا في ابتكار المتعة لأنفسهم، خصوصًا بعد انتهاء فترة (السلامة الوطنية)، البعض صنع أحرازًا فنية جميلة وشيش التدخين، مستخدمين المتوفر بين من أدوات مهملة، مثل قناني المياه الفارغة وعلب بلاستك اللبن الرائب وغيرها.

كما حرصنا على مزاولة الرياضة البدنية مدة نصف ساعة يوميًا، كنت أتولى قيادتهم في الزنزانة بينما يقوم رئيس الإسعاف سيد مرهون بقيادتهم في ساحة منشرات الثياب، كما نتسلى بألعاب ترفيهية مثل لعبة "بدون كلام" المعروفة بــ “Charades” .

التوبلاني يكشف مرض السماهيجي وضيف يعالجني..

دخل الدكتور السماهيجي في حالة عصبية مع أحد الضباط الذي تعمّد الاستفزاز. قبلها كان يشعر بزغللة في العين، وآلام في الرأس مع استفراغ. لم يتمكن أطباء العيادة الطبية من تشخيص مرضه رغم امتلاكهم المعدات والأجهزة! الدكتور التوبلاني، (رفيق الزنزانة (حينها، (ورئيس قسم العناية القصوى (قبلها، عمل فحصًا إكلينيكيًا في العين للسماهيجي. تبين أن بؤبؤ العين متضيق وثابت في تضيقه، في حين أن بؤبؤ العين الطبيعية يضيق في حال الضوء ويتوسع في العتمة.  استنتج من ذلك أن هناك نزيف في المخ، لأن خلايا الدماغ لا تعمل بالكفاءة الطبيعية.  نقل السماهيجي إلى المستشفى في 9 أغسطس/آب، وكان تشخيصًا دقيقًا من طبيب لا يمتلك الأجهزة، لكنه يمتلك المهارة والكفاءة المسجونتين والموقوفتين عن الاستخدام حتى الآن.

أما أنا فقد كنت أتعالج في مستشفى القلعة تحت إشراف الدكتور باسم ضيف. كان هو طبيبي الحقيقي، بينما طبيب مستشفى القلعة كالممرض الذي ينفذ الأمر فقط، وذلك اعترافٌ، ولو متوارٍ، بكفاءة الكادر المظلوم. أخذت أمصالًا مسكنة معالجة، وتبعها فيما بعد أقراص Prednisolone، أخذتها على جرعات مدة ثلاثة أسابيع، تخففت الجرعات من أسبوع لآخر وحصلت على فائدة كبيرة في البداية، ثم واصل   ضيف بوصف فيتامينات Neurbion (B1, B6, B12)  للتوصيلات العصبية.

بقيت على وصفة باسم ضيف في الأدوية، لكن بعد أربعة أشهر لم أحتمل وضعي الصحي، فأضربت عن تناول الأدوية، بسبب حرماني من الذهاب إلى الطبيب المختص بالكسور. فاستجابوا لي خشية من انتكاسة صحية تدينهم أكثر. أخذت إلى مستشفى القلعة لأخذ أشعة فقط، وحين زارتنا لجنة بسيوني، أوصلت شكواي، فتواصل علاجي الطبيعي مرتين في الأسبوع. في هذه الفترة رفعت العصابة عن عيني أثناء ذهابي للمستشفى، وكان ذلك من حسنات وجود بسيوني ولجنته حينها، حتى وضعت إرشادات تنبيهية عند مداخل المستشفيات تبين رسم وجه بالعصابة يقطعه علامة X.

الإضراب يفشل قبل أن يبدأ..

 
بعد انتهاء السلامة الوطنية قررنا الإضراب، وأن نعمم الفكرة بنشرها إلى باقي السجناء في الزنازين والعنابر الأخرى. لكن بعض أفراد الكادر الطبي لم يكونوا متفاعلين، يخشون أن ينقلب الأمر إلى تشديد جديد، وعذاب جديد.   

في السجن تشكل فريقان. فريق لديه تحفظات من اتخاذ خطوات إجرائية، وغالبيتهم من الكادر الطبي.  وفريق مع المبادرة باتخاذ خطوات إجرائية، وغالبيتهم من السجناء الآخرين.

تجاوبت أنا وعلي العكري مع الإضراب، وكان معظم رفقاء زنزانتنا متحفظين. غسان ضيف، الذي أحبط كثيرًا من البقاء في الحبس بعد خروج معظم رفقاء زنزانته، في 28 يونيو/ حزيران أتانا قائلاً: الليلة نبدأ الإضراب! لكنه عاد بعد يوم واحد وقال لنا: يفضل عدم الإضراب لأن الإفراج قريب. وذلك بعد أن التقاه أحد الموفدين من الداخلية ووعده بذلك. أُجهضت الفكرة منعًا للخلاف.

لكن إعلان الإضراب وصل للسجناء العسكريين، فتجاوبوا وبدأوا في تنفيذه، ولم يكن سهلاً الوصول إليهم لفك إضرابهم وقد سقط بعضهم متأثرًا، وكان ذلك مزعجًا لنا جدًا.

عريضة ضد التمييز..

عندما تصدر إدارة السجن قرارات بعمل زيارات لفريق الكادر الطبي فقط دون غيرهم، فذلك إجحاف في حق الآخرين، لذا رفضتُ شخصيا هذا التمييز ورفضتُ إحدى زيارات أهلي تعاطفًا معهم.

بدأ العمل على العريضة من أجل إلغاء التمييز، الذي خلق مشكلة وحساسيات بين السجناء، مستندة مشروعيتها في مخالفة لوائح السجن، كان ذلك في بداية شهر رمضان، صادف بداية أغسطس/آب، استطعنا أن نجمع 80 توقيعًا. انزعج بعض الأطباء وشعروا أن العريضة ضدهم، في حين هي ليست لمنع الامتيازات عن أحد، بل ليتمتع الجميع بنفس الامتيازات، وهي موجهة إلى إدارة السجن.

العريضة تضمنت المطالبة بالتقاء السجناء بلجنة بسيوني، وفتح أبواب العنبر 6 في شهر رمضان، وزيادة عدد مرات الاتصال بالأهالي كما حدث مع الكادر الطبي، وكذلك الزيارات، والزيارة المسائية في رمضان، والحق في ممارسة الشعائر وممارسة العبادات الجماعية، خصوصًا في رمضان، وهي من الأمور التي سُمح للكادر الطبي بها.

أرسلنا العريضة معززة بالتواقيع إلى الضابط الملازم محمد الأنصاري ونسخة منها إلى كل من : مسؤول العنبر، وقسم التحقيقات الجنائية، ووكيل وزارة الداخلية، ومكتب وزير الداخلية. 

نتائج العريضة

ما أن وصلت العريضة حتى جاء الأنصاري متهجمًا ومهتاجًا: وصلني أنك أنت من كتب العريضة.. كنت حينها أصلي فتعمدت إطالة الصلاة. بعد أن طويت السجادة قلت له : نعم في السجن تمييز ظالم، هل من المعقول أن تكثر من زيارات الكادر الطبي والباقي لا شيء، هل هذا عدل؟   قال بحدة أقل: " إحنا مقررين من بكرة نعطيكم  5 دقائق للمكالمات وبشكل يومي وللجميع، وأي شيء في إيدنا راح نسويه لكم بس خلكم من هالحركات والعرايض".

توالت التحسينات فصارت الزيارات ومدتها واحدة للجميع، ما عدا الاستثناءات، أي المصابين بالاكتئاب.  فتحوا الأبواب قبل أذان المغرب بنصف ساعة وكل واحد يستطيع زيارة الزنازين الأخرى. صارت بعد ذلك الزيارات تتم بعد الفطور فيما قبل تتم في صباح رمضان القائظ. كما سمح بإدخال المأكولات، فغمروهم الأهل من أكياس رقائق البطاطس، إلى أنواع متعددة من الكاكاو إلى معلبات الفاصوليا والتونة وغيرها. وسمح فيما بعد بإدخال المأكولات المطبوخة من البيوت. 

من الإنجازات الرائعة السماح للأهالي بإحضار صحيفة الوسط. ما قبلها كانت صحف السلطة هي المسموحة فقط: الأيام، أخبار الخليج، الوطن. نسخة واحدة من كل عدد لجميع نزلاء العنبر.  كنا نتحاشى قراءة صحيفة الوطن لأنها تجلب الغم بسبب خطاب الفتنة والتحريض.

بعد أن تقرر لنا الاتصال يوميًا مدة 5 دقائق مع السماح بإطالة بعض الوقت، تواصلنا مع بعض الزملاء الذين سبقونا بالخروج، أوصلني بعضهم إلى صحفية تعمل مع موقع (مرآة البحرين)، نقلتُ إليها عن إصابة ظهري، كما سربت إليها أيضًا رسالة خطية عن طريق زيارة الأهل، فنشرت تقريرًا خاصًا تحت عنوان: "إبراهيم الدمستاني مكسور الظهر مرتين". فكانت (مرآة البحرين) حاضرة معنا في السجن، وتنقل تسريباتنا التي نحتاج نشرها إلى العالم الخارجي، وقد حدث ذلك غير ذات مرة.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus