غسان ضيف، زهرة السماك: من القفص الذهبي إلى قفص الجلاد «1-4»

2012-11-28 - 2:00 ص


مرآة البحرين (خاص)

 "هنا أدركت الأمر، لم يعد لدي خيار للهروب من تلك الحقيقة: أبي وأمي معتقلان ومفصولان عن العمل، أنا وإخوتي الآن بلا والدين، كنت في صدمة نفسية قوية بسبب هذه المحنه التي واجهتني، لا زلت أعاني من أحلام مزعجة وأجد صعوبة في التركيز على دراستي. رغم ذلك، لم يفتني يوم دراسي واحد، ولم أتغيب قط، فوالدي دائما يؤكد على أهمية التعليم، وأنه سلاحنا الذي لا يمكن لأي أحد أن يسلبه منا. 

كفتاة في السابعة عشر من عمرها، كان غريباً أن تصير لدي كل تلك المسؤوليات فجأة، كان علي أن أدير منزلاً بأكمله، وأعتني بجدتي المنكسرة، وأخويي الصغيرين الفاقدين، وأقنعهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام في نهاية المطاف، وأن أدفع الفواتير، وأواظب على الذهاب إلى المدرسة، وأن أجتهد لأحافظ على نسبة تفوق تخولني لدراسة الطب الذي هو رغبتي وطموحي، وكان علي أن أشرح لأخوتي أن والدي أعتقلا دون أن يرتكبا أي جرم، وأننا لا نستطيع فعل الكثير لمساعدتهما "فاطمة غسان ضيف".

عائلة ضيف كان لها وضعها الخاص، اعتقال 3 أطباء من العائلة نفسها: غسان، وزوجته زهرة السمّاك، وأخوه الأكبر باسم. الجميع حوكموا عسكرياً. أطفال غسان وزهرة المدللين والمرفهين، وقعوا في تجربة أكبر من أن يتخيلوها فضلاً عن أن يعيشوها: أكثر من 3 أسابيع بلا أم ولا أب، وأكثر من خمسة أشهر بلا أب، وتجربة مرعبة لهم في مبنى التحقيقات، وترقب مجهول لم يكونوا يعرفون معه أي مصير ينتظر والديهم، لقد كبروا فجأة، وانكسر في داخلهم الكثير الكثير، عدا شعورهم بالفخر لما قام به والداهما، لا زال هذا الشعور يكبر كل يوم.

من أين بدأت الحكاية؟ وكيف عايش غسان وزهرة أحداث 14 فبراير؟ وكيف كان اعتقالهما؟ وما الذي تعرضا له داخل السجن؟ وكيف سارت فصول محاكمتهما؟ هذا ما تحاول هذه الحلقات أن تضعه أمامكم.

ذهبنا لنرى..

لم يكن غسان وزهرة استثناءً، مثل غيرهما سمعا عن 14 فبراير دون أن يتوقعا الكثير. لكن التوقعات ليست هي التي تصنع الأحداث الكبرى، بل الأفعال وردود الأفعال التي تكبر بها أو تحتويها، ما حدث في البحرين منذ 14 فبراير هو هذا تحديداً.

"سمعنا عن ثورة الغضب أو ثورة 14 فبراير عن طريق أطفالنا، جاءني ابني محمد ليخبرني أن هنالك دعوة على الفيس بوك للتظاهر الحاشد في يوم 14 فبراير على غرار ما حدث في تونس ومصر، أخبرته أن ينسى الموضوع لأنها مجرد دعوات لن تتحقق" تقول زهرة، وتضيف: "كان غسان في العيادة وأنا في المنزل حين سمعت بمقتل الشهيد الأول علي مشيمع، أخبرته بسقوط شهيد ثم بدأنا متابعة الأخبار بشكل فعلي عبر الواتس آب والفيس بوك".

 

أما غسان المنصرف عن الشأن السياسي، والمغمور في حياته المهنية والأسرية، فكان مساء 15 فبراير هو أول فضوله: "زارني في العيادة بعض المرضى ممن كانوا في دوار اللؤلؤة، أخبروني أن هذه الرقعة صارت تزهو بالحرية والأمان، مكان يستنشق فيه المرء معنى أن يكون حراً يستطيع التعبير عن رأيه بكل جرأة من غير أن يمس الآخرين بالسوء، لم يرتفع بها إلا علم البحرين مرفرفاً، صادحا بالمحبة، ملوناً بالحرية" يكمل "لقد شاقني وصفهم لرؤية المكان".

في الوقت نفسه كانت زهرة تواجه إلحاحاً من ابنتها البكر فاطمة، للذهاب إلى المكان نفسه، سمعت أنه يعبق بالندى ورائحة العشب وأوكسجين الحرية، فتشوقت.

توافقت العائلة على الذهاب بعد انتهاء غسان من عيادته، "كانت الناس تتنسم الحرية وكأنها تتصالح معها للمرة الأولى، العفوية التي عرف بها الإنسان البحريني، والسلام الروحي الذي يلف المكان، لم يكن هنالك ما يثير الارتياب أو القلق" تقول زهرة. 

الخيمة الطبية نصبت في اليوم التالي، احتاجت لأطباء متبرعين، تردد غسان قبل أن يوافق، فقد كان يرى أنه لا حاجة لمثل هذه الخيمة ما دامت مستشفى السلمانية قريبة، لكنه سجل إسمه، فكر في المناوبة ليلة 17 فبراير، لم تحبذ زهرة الفكرة، غادر عند الساعة 11:30 ليلاً.

وتحول العشب دماً..

في تلك الليلة استيقظا كالمعتاد لأداء صلاة الليل قبل صلاة الفجر، لكنها لم تكن ليلة كالمعتاد، أربك غسان  اتصال من الطبيبة المناوبة في المستشفى، طلبته على وجه السرعة، لم يكن يعلم أنه على موعد مع أحداث ستغير مسيرة حياته، وفهمه لما يجري، واهتمامه السياسي.

يقول غسان: "سألت الطبيبة عن سبب الاستدعاء الطارئ، ولم أفكر أبداً أن السبب يتعلق بالدوار، أجابتني أنها لا تعرف ما يجري خارج المستشفى، لكن قسم الطوارئ يضج بالجرحى والمصابين!" 

أخبر غسان زهرة. قررت مرافقته فيما لو هناك حاجة لها، سبقها بسيارته ولحقته بسيارتها "طوال المسافة التي قطعتها من البيت للمستشفى كنت أهيئ نفسي لما سأراه، لكن لم أتصور أن ما سأراه سيكون بهذه البشاعة. أخيراً وصلت المبنى الخارجي للمستشفى، حاولت إيقاف سيارتي في مواقف الطوارئ لم أستطع، توجهت لمواقف الفاتح، لم أجد موقفا خاليا، أوقفت سيارتي في مكان ما لم أدر ما هو، توجهت مسرعا إلى قسم الطوارئ".

"عندما دخلت كانت المفاجأة!" يقول غسان وهو يفتح عينيه على الصدمة: "لم استوعب ما رأيت، المستشفى مكتظ بالجرحى، أعداد المصابين كثيرة جدا، الجميع كان منفعلاً، الأهالي يبكون، الممرضات مندهشات، الواقفون على الجوانب يسربلهم الحزن، وأنت كطبيب تقف أمام هذا المنظر الذي لم تعتد رؤيته ولم تظن أنك ستراه يوماً، هل تتجه إلى قسم الطوارئ؟ هل تذهب إلى العيادات؟ هل تزور الأجنحة؟ هل تقف لتساند أهالي المرضى؟ هل تواسي الجرحى؟ هل تهدئ من روع وغضب المنفعلين؟ كان حمل ذلك اليوم ثقيل جداً، لكنني فعلت ما أملاه علي ضميري وواجبي المهني والإنساني". 

زميلي مصاب..

يتنهد غسان ويكمل "لم أستفق من الصدمة حتى باغتني صوت أحدهم: الدكتور صادق العكري مصابٌ هنا. لم يدُرْ بخلدي لحظة أنني قد أصادف أحد أفراد الطاقم الطبي مصاباً، هل ضُرِبَت الخيمة الطبية وسط هذا الدمار؟ لا يعقل أن يحدث هذا بالطبع".

سأل غسان عن مكان تواجد زميله صادق، اتجه إلى جناح 11، كان الأمر كابوساً مزعجاً، عليه أن يتصرف بحكمة الرجل وسرعة بديهة الطبيب وإنسانية البشريّ، عاين زميله، اكتشفت أن به كسوراً في الوجه ولديه إصابة بليغة في العين وإصابة في البطن وأخرى في الصدر. طلب استدعاء طبيب العيون المناوب في الحال، فاتصل زملاؤه في الجناح باستشارية طب العيون المناوبة لكنها رفضت المجيء وطلبت منهم استدعاء غيرها!!

دهشة أخرى لا يستوعبها: زميل مصاب وفي حالة حرجة وزميلة ترفض أداء مهنتها وتتملص من أخلاقياتها وترفض مساعدته! لم يدرِ غسان حينها، أن الخذلان سيكبر ويصير (بطل) فترة السلامة الوطنية وما بعدها! 

يكمل: "في ذلك الصباح وصلتنا أوامر شفوية عبر صوتيات المستشفى بضرورة إغلاق كافة العيادات والتوجه لقسم الطوارئ. التعميم غير مكتوب باعتبار الحادثة وقعت فجراً ولا وقت لإصدار شيء مكتوب، اكتفت الإدارة بالإبلاغ الشفوي. توجه الجميع إلى الطوارئ، وهي النقطة السلبية التي اقترفتها إدارة المستشفى التي لم تعتد إدارة الأزمات، تسببت في إرباك القسم".

يسترسل:" كان صباحاً عصيباً جداً وطويلاً، حتى التاسعة كنا نستقبل الجرحى والحالات تترواح بين الخطير جدا والبسيط، نشاهد كل أنواع الإصابات في كل أنحاء الجسد، بعضهم بحاجة لعملية عاجلة وبعضهم بحاجة لعلاج في الطوارئ حتى أن المكان لم يتسع، البعض تلقى علاجه بطريقة بسيطة في ممرات القسم". 

التاسعة إلا إسعافاً!

التاسعة إلا ربع، كان موعد جديد مع صدمة جديدة.  مُنِعَ الإسعاف، وبدأ توافد الجرحى من الطاقم الطبي من المسعفين والممرضين وسائقي السيارات إلى المستشفى! 
"هل يتصور عاقلٌ أن إسعافاً قد يُمْنَع عن جرحى ومصابين مهما كانت جريمتهم؟!" يستنكر غسان، "لا وقت للتفكير في تلك اللحظة! يقف المرء بين ألم ما يرى، وألم الحقيقة التي يخفيها الموقف، لكنه الواقع! مُنِعَ الإسعاف من الذهاب إلى الجرحى، فيما اعتدت قوات الأمن على المسعفين والممرضين المتجهين إليهم!"

"بعد نوبات الغضب التي عبر عنها الطاقم الطبي والأهالي، استطعنا أنا ومجموعة من الأطباء إقناع إدارة السلمانية المتمثلة في الوكيل المساعد لشؤون المستشفيات الدكتور أمين الساعاتي بالاتصال بوزير الصحة للتنسيق مع الجهات الأمنية ليسمحوا لنا بالذهاب إلى منطقة الدوار لإنقاذ من يمكن إنقاذهم، وبالفعل استطعنا الذهاب عند الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة" يكمل:"كنت في إحدى السيارات المتهجة هناك ومررنا بنقاط تفتيش كثيرة تعرضنا خلالها لإهانات بشعة، رفع رجال الأمن فيها الأسلحة في وجوهنا، استجوبونا، وعند وصولنا لشارع الملك فيصل بجانب الدوار رأينا المكان أشبه بساحة حرب: الطوب والحصى ملقً على الأرض، الخيم محطمة، كل المحتويات جرى تحطيمها، المأكولات منثورة على الأرض، والعشب، حتى العشب الأخضر انصبغ بالدم!"

يسرح بذاكرته وكأنه يعيش اللحظة المرعبة، المقلقة، المؤلمة، ويزفر: " كان منظراً رهيباً جداً جداً جدا"، ويكمل "واصلت سيارات الإسعاف جولتها في الدوار مروراً بمجمع الدانة وقرية السنابس، وعادت إلى المستشفى حاملة معها جراح ما رأى طاقمها!"

يعود غسان إلى المستشفى: "وسط كل الأحداث التي جرت أمام قسم الطوارئ، بدأ الأهالي يتجمعون في الساحة الخارجية للمستشفى بشكل عفوي وغير مخططٍ له".

طير علي المؤمن..

لم تكن صدمة زهرة أقل وهي ترى الجرحى والمصابين يؤتى بهم إلى المستشفى، "كنت في غرفة العمليات وكان الجرحى يردون الغرف كالطيور الذبيحة، لم يستطع المسعفون والممرضون حمل بعضهم على "ترولي" الإسعاف لأنهم لم يُنْقَلوا إلى المستشفى عن طريق الإسعاف بل بسيارت خاصة بعد أن مُنِع عنهم الإسعاف. ما لا يمكنني نسيانه هو منظر الشهيد علي المؤمن حين أدخلوه غرفة العمليات، كان محمولاً على الأيدي فانصبغ الممر بالدم. ولهول المنظر الذي رأيته أمامي لم أستطع الدخول معه إلى غرفة العمليات وانهارت قواي وانهار جَلَدي، اتصلت حينها بأمي لأعرف مالذي يحدث خارج أسوار المستشفى، فقد غادرنا البيت بهاتف مقتضب وفجأة أصبحنا في قلب الحدث دون أن نعرف ما يدور في الخارج".

طير عبد الرضا..

يوم الجمعة 18 فبراير، أكثر من 5000 من الكادر الطبي يعتصمون في باحة الطوارئ "لا هتافات سياسية ولا مطالبات بإسقاط النظام، فقط التنديد بمنع خروج الإسعاف والتعدي على الكوادر الطبية. من حسن الحظ أنّا كنا متواجدين هناك. تم ضرب المحتجين الذين نزحوا إلى الدوار بعد الانتهاء من فاتحة الشهيد علي مشيمع" يؤكد غسان "لولا وجود هذا العدد من الكادر الطبي لصار عدد القتلى بالعشرات. عدد كبير من المصابين أُخذوا لقسم العمليات مباشرة. الشهيد عبد الرضا وصل غارقاً في دمه وفي حالة مريعة، الجميع في حالة هستيرية من هول الصدمة، جميع أفراد الكادر الطبي بذلوا محاولات حثيثة من أجل إنقاذ حياته، الممرضين والاستشاريين والأخصائيين وفنيي الأشعة، كلهم بذلوا جهداً كبيراً. كنت مع الشهيد عبدالرضا منذ البداية حتى النهاية، أدفع العربة لنقله من مكان إلى مكان، أركض في (الكوريدور) لأحضر أكياس دم من المختبر، حاولنا بشتى الطرق إنقاذ حياته وحياة البقية، لم نفلح، كانت تجربة قاسية لا نستطيع نسيانها بكل ألمها".

يوم المرفأ والجامعة..

 
هدأت الأمور منذ انسحاب الجيش وقوات الأمن من ساحة الدوار في 19 فبراير بأمر من ولي العهد تمهيداً للحوار الذي لم يتم. عادت للاشتعال مع حادثة المرفأ والجامعة في 13 مارس، ومن يومها لم تهدأ "كنا نمارس عملنا بصورة طبيعية جدا داخل المستشفى، نقوم بدورنا المهني بكل أريحية حتى يوم الأحد 13 مارس، كان يوماً عصيباً أعادنا إلى 17 فبراير من جديد. منعت سيارات الإسعاف من جديد، الجرحى يتم إحضارهم عبر السيارات المدنية. خرجنا في سيارة إسعاف وتم منعنا، رأينا بعض الناس يركضون من جهة مركز الرازي الطبي، حملنا بعض الجرحى إلى المستشفى، كانت السلمانية مكتظة بالجرحى وأهاليهم والمتجمهرين، حالة يرثى لها" يقول غسان.

تكمل زهرة: "كنت في غرفة العمليات حينها، باسم ضيف يجري عملية للكتف، وأنا مع الدكتور محمد عقيل في عملية تبديل ركبة، بينما نحن في انتظار المريض التالي سمعنا أن الشوارع تم إغلاقها، وإن قوات الأمن أغلقت المرفأ المالي والشوارع المحيطة به وإن المرضى لا يتمكنون من الوصول للمستشفى، لم نكن ندري ما الذي يحدث في الخارج. نزلنا بعدها للطوارئ، وبدأت نداءات الاستغاثة تصلنا من المرفأ المالي ثم من الجامعة". 

مضروباً بالسيف..

يضيف غسان: " أثناء نقلنا للمصابين من المرفأ المالي، تلقينا خبراً أن هناك إصابات كثيرة في الجامعة، توجهنا إلى هناك، كنا من أول فرق الإسعاف التي وصلت. تم التعرض إلينا والهجوم علينا وضربنا عند مدخل الجامعة وفي عدة نقاط. وصلنا إلى مكان رأينا فيه أحد الشباب يسبح في بحيرة دم. كان مضروباً بسيف وحوله ملثمين يحملون السيوف والهراوات والعصي والأدوات الحادة. حاولوا الهجوم علينا لكننا استطعنا رفع المصاب. نقلناه مع مصابين آخرين إلى السلمانية قبل أن نعود مرة أخرى لإسعاف مجموعة جديدة. بصعوبة شديدة وبعد تدخل بعض رجال الأمن سمحوا لنا بالدخول. مرة أخرى أيضاً تعرضنا لهجوم من قبل البلطجية اللذين يحملون الأدوات الحادة. تمكنا من نقل عدد آخر من المصابين. أنا بنفسي قمت بنقل 3 مصابين للإسعاف. أثناء توجهنا نحو بوابة الجامعة قام البلطجية المسلحين بإنزال أحد المصابين من الإسعاف وضربه أمامنا. كنا مرعوبين ولا نعرف ماذا يمكن أن يفعل هؤلاء المسلحين. توجهنا بعدها إلى السلمانية ونقلنا الدفعة الأخيرة".

يكمل غسان: "في هذه الأثناء جاءني اتصال أن بعض الكوادر الطبية محاصرة في الجامعة وأنه تم الاعتداء عليها. توجهت من فوري إلى أمين الساعاتي الوكيل المساعد لشئون المستشفيات وأخبرته بالموضوع. في البداية لم يبد أي ردة فعل. لكن بعد إلحاحي ومجموعة من الأطباء توجه الساعاتي إلى الجامعة وتمكن من تخليص الكادر الطبي والعودة معه. كانوا مصابين، ضمنهم مجيد خلف وفاطمة حاجي ومجموعة من الممرضين والممرضات".

غزو البلطجية..

لم ينته هذا اليوم الطويل بعد، اليوم الذي أغرقت فيه البحرين بالبلطجية المسلحين، انتشروا في جميع المناطق البحرين بغية تحويل البلد إلى فوضى عارمة "وصلنا خبر هجوم البلطجية المسلحين على قرية دار كليب، ذهبت مع الإسعاف إلى هناك وأسعفنا عدد من المصابين، ثم لم يلبث أن جاءنا خبر هجوم البلطجية على المنامة في المساء، أيضاً ذهبنا هناك، كانت المواجهات قد اشتعلت عندما انفجر الشباب غضباً وهبّوا بالدفاع عن مناطقهم، صارت مواجهات عنيفة مع المسلحين الذين كانوا من الآسيويين، حملنا المصابين من كلا الطرفين في سيارات إسعاف، عند مدخل الطوارئ كانت الحشود تهم بالهجوم على الآسيويين غضباً من انتشارهم في المناطق واعتدائهم على الأهالي، بصعوبة شديدة تمكنا من السيطرة على الوضع وإدخالهم للطوارئ لتلقي العلاج".

يكمل غسان: "في هذه الليلة قمت بنفسي بنقل كثير من الآسيويين وكذلك البحرينيين من مركز النعيم إلى مستشفى السلمانية، ومن فريق المخارقة إلى السلمانية، ومن منطقة النعيم إلى السلمانية، كنا نحاول إنقاذ الناس بشتى الطرق، سواء من الآسيويين أو رجال الأمن أو المواطنين والمتظاهرين". 
البلطجية لا يزالون يغزون المناطق بتوزيع مدروس ومخطط له، "لم يلبث أن وصلنا خبر انتشار البلطجية في منطقة توبلي ثم منطقة عالي ثم العديد من المناطق التي يقطنها غالبية معارضة. هكذا بقينا طوال هذه الليلة نجوب المناطق ونحضر الجرحى والمصابين. لم أنم هذه الليلة رغم تعب اليوم الطويل. قريباً من الفجر انهار جسدي بالكامل، لم أتمكن من المواصلة، غادرت".

صالح مشعان..

صالح مشعان هو الشرطي السوري الذي اتهم غسان وآخرين باختطافه واحتجازه. ما حكاية مشعان؟

كان ذلك ليل الإثنين 14 مارس. المكان في منطقة سرايا. مشعان يهاجم أهالي المنطقة بالشوزن مع عدد آخر من البلطجية الملثمين بلباس مدني. طلقة شوزن تستقر خرطوشاتها في رأس الشهيد مجيد عبد العال الذي بقي ميتاً سريرياً حتى إعلان شهادته في 30يونيو. الشباب الغاضبون يعترضون طريق مشعان وينهالون عليه بالضرب الشديد قبل أن تسيل دماؤه ثم ينقل إلى المستشفى ويلقون به هناك. كل من غسان ضيف ونبيل عبد الحميد يعاينان حالته فوراً ويأمران بإدخاله المستشفى لأنه تعرض لضربة بالرأس تستوجب المتابعة "غادرت المستشفى بعد أن أوصيت بمتابعة مشعان، تولى علاجه في اليوم الثاني عارف رجب الذي بعثه للمستشفى العسكري حسب طلبه وبترتيب مع الإدارة. وكان جزاء علاجنا له أن اتهمت أنا وآخرين باختطافه واحتجازه" يضحك غسان بألم. كان حينها برنامج الراصد قد بدأ باستهداف الأطباء خصوصاً علي العكري وغسان ضيف. 

يكمل غسان: " صباح الثلاثاء 15 مارس، اتصلت بالدكتور عارف رجب باعتباره رئيس القسم وأخبرته إني أحتاج أجازة لمدة ثلاثة أيام، كنت منهكاً جداً. بالفعل لم أداوم طيلة الأيام الثلاثة بما تخللها من وضع مأساوي في غاية الخطورة" يكمل: "وهذا يظهر سخافة تهمة الاحتجاز التي نسبت لي، إذ كيف أحتجز أحدا في المستشفى وأنا خارج المستشفى؟".

تضيف زهرة: "في هذا اليوم تم إعلان حالة الطوارئ. الجيش بدأ ينتشر في كل مكان وكذلك المدرعات. كنت قد انتهيت من دوامي وعدت المنزل عندما وصلت أخبار هجوم الجيش على سترة. بقينا نتابع الأخبار عبر وسائل التواصل المجتمعي والقنوات الفضائية التي تبث أخبار البحرين. لم أتمالك نفسي وأصبت بحالة هستيرية من البكاء. قلت لغسان أريد العودة إلى المستشفى وقمت من مكاني فأمسك بيدي ومنعني وقال لي: سيقتلونك!!".



التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus