عشرة من الجنود والكلاب بأحذيتهم وأسلحتهم يكسرون أبواب المستشفى بحثاً عن غسان ضيف «2-4»

2012-12-01 - 9:00 ص


مرآة البحرين (خاص)


عائلة ضيف كان لها وضعها الخاص، اعتقال 3 أطباء من العائلة نفسها: غسان، وزوجته زهرة السمّاك، وأخيه الأكبر باسم. الجميع حوكموا عسكرياً. أطفال غسان وزهرة المدللين والمرفهين، وقعوا في تجربة أكبر من أن يتخيلوها فضلاً عن أن يعيشوها: أكثر من 3 أسابيع بلا أم ولا أب، وأكثر من خمسة أشهر بلا أب، وتجربة مرعبة لهم في مبنى التحقيقات، وترقب مجهول لم يكونوا يعرفون معه أي مصير ينتظر والديهم، لقد كبروا فجأة، وانكسر في داخلهم الكثير الكثير، عدا شعورهم بالفخر لما قام به والداهما، لا زال يهذا الشعور يكبر كل يوم.

من أين بدأت الحكاية؟ وكيف عايش غسان وزهرة أحداث 14 فبراير؟ وكيف كان اعتقالهما؟ وما الذي تعرضا له داخل السجن؟ وكيف سارت فصول محاكمتهما؟ هذا ما تحاول هذه الحلقات أن تضعه أمامكم.

يوم التطهير..

 
الثلاثاء 16 مارس. إنه يوم التطهير، هذا هو ما أطلقه البيان 3 لوزارة الدفاع: "قوات من الأمن العام والحرس الوطني وبمساندة من قوة دفاع البحرين بدأت صباح هذا اليوم الأربعاء الموافق 17 مارس 2011م بعملية تطهير دوار مجلس التعاون والمرفأ المالي ومستشفى السلمانية وما حولهم" التطهير لا يذهب لمعنى أبلغ من الإبادة. بهذا الأفق تم استقدام جيوش درع الجزيرة، وبهذا الأفق أُعلن قانون الطوارئ الذي تطهّر من كل القوانين التي نصت عليها المعاهدات الحقوقية الدولية والعالمية التي وقعت عليها البحرين، وأبقى قانوني الاستباحة والغاب فقط. 

قبل الساعة السادسة صباحاً، ذهبت زهرة إلى مستشفى السلمانية، وبقى غسان في البيت "في محيط المستشفى لم يكن هناك أحد، عندما دخلت موقف السيارات كانت طائرات الأباتشي تحلق فوق رأسي من علو منخفض. لم أعش حرباً من قبل لكن حتما ما كنت أراه تلك اللحظة ليس شيئاً آخر غير الحرب. كان داخلي منقبضا وثقيلا. دخلت مسرعة إلى قسم العمليات، الممرضات هناك أخبرنني أن الدوار قد تم الهجوم عليه منذ ساعات الصباح الأولى. بدأن يعملن على تجهيز غرفة العمليات لتلقي الإصابات، وذهبت أنا للطوارئ استعداداً لاستقبال الحالات. كان الأطباء في الطوارئ في حالة يرثى لها من التعب، أخبروني عن الحالات التي عايشوها في اليوم السابق جراء الهجوم على سترة. قال لي بعضهم: لو لم نكن موجودين لكان القتلى بالعشرات. لم يتمكن الأطباء من العودة إلى البيت لذلك بقوا في المستشفى حتى اليوم التالي، ومنها بقوا محجوزين هناك لمدة 3 أيام من الموت".

تطهير السلمانية..

تواصل زهرة: "بقينا ننتظر أن تصلنا إصابات، لم يصل شيء. سألنا عن سيارات الإسعاف، قالوا لنا إن في سترة 4 سيارات إسعاف تم استهداف عجلاتها بالرصاص، وأن باقي الإسعافات التي توجهت للدوار مُنعت. لم نلبث أن بدأنا نشاهد قوات الجيش تحيط بالمستشفى تدريجياً. ثم اقتحمت باحة الطوارئ وهاجمت  أهالي المصابين المتجمهرين في الباحة منذ الليلة الماضية، دخلت إلينا حالات الاختناق بمسيلات الدموع. أخليت الباحة وبدأ تكسير كل شيء تصل إليه أيديهم. أغلقوا البوابات المحيطة بالمستشفى لمنع الحركة من الداخل والخارج. تم تحطيم الخيمة الطبية بكل محتوياتها التي تم تجهيزها بها قبل يومين، ثم تكسير السيارات في مواقف المستشفى وخارجها، ثم نُفِّذت مسرحية وضع الأسلحة وتصويرها، كنا نشاهد كل شيء من الواجهات الزجاجية المنتشرة على جميع طوابق مبنى السلمانية، الجميع كان يقف خلف الواجهات مشدوهاً ومذعوراً، لا يمكن أن يكون ما نراه غير حرب تطهير فعلاً، تطهير من كل ملمح قد يكون إنسانياً".

محاصرون حد الضرب..

   
بقي المستشفى محاصراً من جميع المداخل بقوات الجيش، لا أحد يستطيع الدخول أو الخروج، والقوات تعيث في باحة الطوارئ تحطيماً لكل شيء، ومنعاً لأي حركة هواء تتنفس، ونداءات الاستغاثة تصل من مختلف مراكز البحرين الصحية، والمستشفيات الخاصة، ولا إسعاف يستطيع أن يغادر بوابة السلمانية لإحضار المصابين. "سمعنا أن وزير الصحة حينها نزار البحارنة قد اجتمع برئيس الأمن من أجل السماح للإسعاف بالذهاب لإحضار الحالات الخطرة من المصابين. تصلنا مكالمات من المراكز الصحية عن حالات لا يستطيعون التعامل معها. هناك إصابات نزيف وبحاجة للدم والمراكز غير متوفرة على بنك دم. هناك جثث. الدكتورة خلود الدرازي كانت تتصل لنا من مركز البديع وتقول إن لديها حالة ولادة، وهي بحاجة لمعدات لتتمكن من توليدها هناك. لم يسمح لنا". 

تكمل زهرة "عند الساعة 12 ظهراً، وبعد محاولات منهكة من وزير الصحة، سمح بخروج عدد من الأطباء لإحضار الحالات، لكن بشرط: الخروج في سيارات الإسعاف الخاصة بالمستشفى العسكري فقط. كان لدينا خوف شديد أن يكون في الأمر خدعة، الكادر الطبي من الرجال قالوا لنا لا تخرجوا أنتم النساء، سنخرج نحن الرجال فقط. وبالفعل تم ضربهم عند بوابة المستشفى وتوجيه الإهانات لهم. أحد الأطباء كسرت إصبع يده. ثم سمح لهم بالمرور بعد أن أتى أحد أفراد الجيش وقال لهم اتركوهم، لديهم إذن بالخروج. أول سيارة إسعاف نقلت 5 مصابين من مركز البديع".

دعنا نغادر..

تكمل زهرة: "أول حالة استلمتها وصلتني من مستشفى ابن النفيس، كانت سيئة جداً، نزيف شديد، نزل مستوى دمه إلى 3، أخذناه إلى العمليات لننقذ حياته وكان لديه ضربة في الشريان. الحالة الثانية جثة وصلت من مستشفى ابن النفيس أيضاً، بدأنا بمتابعة الحالات الحرجة التي تحتاج لعمليات، إحدى الحالات التي وصلتنا رصاصة في البطن في منطقة الأمعاء. كنا نعالج الإصابات ونحن محاطون بالرعب، وأصوات الطيارات فوق رؤوسنا، كان صبحاً خانقاً وموحشاً، بقيت في العمليات وكان معي أطباء وممرضون وطاقم التخدير، معظم طاقم التخدير أجانب".

"حاولنا ظهراً الخروج للذهاب إلى بيوتنا، أهلي وعائلتي في قلق شديد علي، لكن الأخبار تصلنا بأن كل من يحاول الخروج يتم ضربه. أعلنوا في أجهزة المناداة ألا أحد يغادر المستشفى وأن إدارة المستشفى غير مسؤولة عن سلامة من يحاول الخروج. اضطررت للمبيت في السلمانية تلك الليلة. صباح الأربعاء قررت الخروج عند الساعة الثامنة أياً كانت النتيجة. كنت أرى الجيش يقوم بتفتيش كل من يريد الخروج ويطلبون بطاقتهم السكانية ويسألونهم عن عملهم ويسجلون أسماءهم قبل أن يسمحوا لهم بالخروج. كانت بوابة واحدة فقط هي التي يسمح لنا بالخروج منها وباقي البوابات مغلقة، هكذا غادرت".

تكمل زهرة: "كانت أول جملة قلتها لغسان بعد عودتي للبيت: ما رأيته في المستشفى اليوم لا يمكن احتماله، لا يمكن البقاء في هذا الوضع، دعنا نغادر البلد حتى تهدأ الأمور. كنت خائفة على غسان خصوصاً بعد أن علمت بإلقاء القبض على الدكتور علي العكري من غرفة العمليات، وبعد استهدافه من قبل تلفزيون البحرين".
 
أنا التالي..

كيف عايش غسان تلك اللحظات بعيداً عن المستشفى؟ "كنت قلقاً جداً على زوجتي وزملائي في العمل، وأموت في اليوم مائة مرة أني لا أستطيع مساعدة المصابين ولا الوصول إليهم، في الوقت ذاته أعلم أن اعتقالي على مسافة خطوات قليلة. صورتي نشرت في التلفزيون مع الدكتور علي العكري وكان مؤكداً أني سأكون التالي. لم نتوقع يوماً أن يعتقل طبيب أو مهني، لكنه حدث. علمت من البعض أن العسكر كانوا يبحثون عني في غرفة العمليات وفي الصيدلية والمخازن، أحدهم أخبرني أن عشرة من الجنود مع الكلاب بأحذيتهم وبأسلحتهم كانوا يكسرون الأبواب يبحثون عن غسان ضيف ".

تضيف زهرة: اعتقل علي العكري يوم الخميس وندى ضيف فجر الجمعة، ولا أحد يعرف إلى أين تسير الأمور، الجميع في رعب المجهول الذي ينتظرنا وسط حرب التطهير المعلنة وحرب الإبادة التي بانت معالمها. سريعاً جداً قررنا السفر يوم السبت 19 مارس، لم نخبر أحداً، حتى عوائلنا، ما عدا باسم أخ غسان الذي يسكن لصيقاً من بيتنا، أخبرناه ليتولى أمر الخدم. ودع باسم أخاه غسان وبكى كثيراً، كان لديه إحساس بأن شيئاً ينتظر أخاه". تكمل زهرة: "وصلنا المطار وأدخلنا حقائبنا، عند الجوازات سأل: أنت غسان ضيف؟ أجاب: نعم، أخذوا جوازه إلى الداخل. حاول غسان تهدئتنا بأنها إجراءات روتينية، لكني كنت أعلم أن الأمر انتهى. استدعوه إلى الداخل وضممت أبنائي إلى حضني. بعد قليل جاؤونا واخذوا هواتفنا وحواسيبنا المحمولة. ثم بعد نصف ساعة جاءني أحدهم وقال: يمكنك السفر مع الأولاد، لكن غسان سيبقى معنا. قلت له: لن أسافر بدون زوجي، وسألته: ماذا حدث؟ صرخ في وجهي: انسي غسان انسيه. صرخت: لا أريد السفر أريد العودة إلى البيت. قال لي: سنرجعك نحن. أعادوا لنا أدواتنا وأخرجونا من باب خلفي للمطار وتفاجأت بالأعداد الكبيرة من السيارات والعدد الكبير من المقنعين وحاملي الأسلحة، أركبونا سيارة مدنية ومعنا مقنعون مسلحون.

عندكم هالقصر وتعارضون؟

   
"ابنتي لمحت والدها عندما كانت تركب السيارة" تكمل زهرة. "كان وجهه مغطى، أُركب في سيارة خلفنا، لم تخبرني إلا فيما بعد لأننا لم نستطع الكلام حينها. كان أبنائي فاطمة (17 سنة) ومحمد (13 سنة) ويوسف (9 سنوات) يرتجفون من شدة الخوف والهلع. شعرت أنه سيغمى عليهم من رعب الموقف الذي لم يتخيلوا أن يعيشوه يوماً.

لم نؤخذ إلى البيت كما وعدونا، بل إلى مكتب التحقيقات الجنائية ناحية الشرطة النسائية، عندما دخلنا كانت هناك غرفة مقفولة من الخارج، فتحوا الباب وأدخلونا، الحجرة مظلمة، في طرف الغرفة سيدة أو فتاة صغيرة الحجم معصوبة العينين مستلقية على كرسي خشبي طويل. لم أعرفها. حوالي 5 دقائق وأخرجونا من الغرفة: "هذي الغرفة ظلام تعالوا قعدوا بره". ثم أتوا لأخذي وحدي كي أدلهم على بيتنا من أجل التفتيش، قلت لهم لا أستطيع ترك أبنائي وحدهم وهم مرعوبون، قالوا لي لا تخافي هم مع الشرطة النسائية في أمان. 

أخذوني أولاً إلى مركز مدينة عيسى للتزود بدوريات إضافية. وصلنا البيت ولم يكن معي مفتاح، كنا تركناه في بيت باسم. قالوا لي سنكسر الباب إن لم تفتحي، قلت لهم المفتاح عند أخيه وهو جارنا، طرقوا الباب وعندما رآهم باسم من النافذة خاف أن يكونوا قد أتو للقبض عليه فلم يفتح".

تردف زهرة "كسروا باب بيتنا ودخلوا. كانوا قرابة 20 ملثماً، وسيارات الشرطة محيطة بالمكان، توجهوا مباشرة لغرف النوم نبشوها بالكامل، أمروني بفتح الخزنة واستولوا على كل ما بداخلها من مبالغ نقدية ووثائق أراضي، كما استولوا على جميع أجهزة الحاسوب والهواتف والكاميرات، ثم نزلوا إلى الطابق الأرضي فكانوا يأخذون التحف الموضوعة فوق الطاولات ويقومون بتكسيرها، ثم أخذني اثنان منهم إلى غرفة المكتب، وأخذا في شتمي وإهانتي وفتحا تحقيقاً معي: ليش إنتو معارضين؟ عندكم هالبيت القصر وتعارضون الحكومة؟ وين درست وعلى حساب من؟ قلت أنا متفوقة ومن الطبيعي أن أحصل على بعثة وأدرس على حساب الوزارة. وزوجك؟ قلت: زوجي أيضاً، قالوا: كل هذا وتعارضون الحكومة؟ وتطلعون مظاهرات ضد الحكومة؟

أطفي الجكارة في عينك..

ثم سألني عن باسم وكأنه التفت للتو: أخو زوجك شنهو يشتغل؟ قلت: طبيب. كأن هذه الكلمة كانت القاضية. عمل مكالمة: "يمكن يكون هذا بعد من المطلوبين وناخذه مرة وحدة"، وكان هذا ما حدث.
تواصل زهرة: "ثم استولوا على جميع سياراتنا (5 سيارات)، وكذلك فعلوا مع سيارات بيت باسم، وضعوني في إحدى سياراتهم، لم أكن أعرف حينها ماذا حدث لباسم، فقط رأيتهم ذاهبين نحو بيت باسم، ورأيتهم يأخذون سياراتهم بالكامل. في السيارة قلت لهم أنا خائفة على أبنائي لا أعرف ماذا حدث لهم، فصرخ علي أحدهم: سكتي لا ألحين أطفي الجكارة في عينك!!. عدنا إلى مبنى التحقيقات سألت عن أبنائي بقلق شديد، أخبروني أنهم أخذوهم للبيت، صرخت: لكن لا أحد في البيت، قالوا: بنتك كبيرة وراح تتصرف!!. 

هل انتهت زهرة هنا؟ ليس بعد. "أخذوني للتحقيق مرة ثانية وكنت أجيب بكل ما أعرفه، فيما المحققة تهددني بالضرب. لم أكن أستوعب ماذا يعني أن أُضرب وأنا طبيبة استشارية! بل لم أكن مستوعبة أن أُعتقل أو يعتقل طبيب فكيف بالضرب والشتم والإهانة!! 

"دخل رجلان وبدءا التحقيق معي: زوجك اعترف عليك، لا داعي لأن تخفي شيئاً! قالا هذا قبل أن ينهالا علي بالأسئلة الوقحة: رحتي الدوار؟ تمتعت في الدوار؟ زوجك تمتع في الدوار؟ كم مرة رحتوا إيران؟ أخذني الاشمئزاز من مستوى هذا الوعي الذي يوجه أسئلة بهذه الوضاعة".

"بعد أن أخذ مني الانهاك كل طاقتي، أخبروني أنهم سيأخذوني للبيت، قلت لهم: أنا لن أركب مع رجال، أريد شرطيات. أركبوني مع شرطيتين، وصلت البيت كان الباب مكسراً ومشرعاً، دخلت مباشرة إلى بيت باسم، كانت العائلة قد اجتمعت هناك والجميع في حالة هستيرية، والدا غسان وأخوته وزوجة باسم، أخيراً احتضنت أطفالي". 

فاطمة..

"كان الجميع في حالة مزرية، وأنا أحاول أن أقوي نفسي من أجل الأطفال، لم يكن سهلاً اعتقال أخوين من العائلة نفسها، كان والدا باسم وغسان منهارين. جاءتني ابنتي فاطمة تخبرني عما حدث لهم في غيابي: هل تذكرين الفتاة التي شاهدناها مستلقية في الغرفة المظلمة؟ لقد أخرجوها أمامنا وضربوها ضرباً مبرحاً حتى أغمي عليها من شدة الضرب!! كان من ضربها (رجال) يا ماما!! إذا كانت فتاة وحصلت على كل هذا الضرب أمامنا، ماذا سيحدث في البابا؟!!"

كيف عايشت فاطمة لحظاتها هناك مع أخوتها الصغار؟ تقول:"بدأت الصدمة تتزايد تدريجيا مع مرور الساعات، لم أستطع تصديق ما يحدث، أمسكت بيد أخي الصغير الذي كان يرتجف عندما دخلنا مبنى التحقيقات الجنائية في العدلية، أربكني الدخول إلى ذلك المكان، نحن لسنا مجرمين!! أخذوا أمي بعيداً بينما جلست مع أخوي لمدة تقارب الساعتين. رأيت التعابير على وجوه أخوي تتحول من القلق الى الخوف والرعب، كان علي أن أتماسك لأجلهما".

تكمل فاطمة: "لم أنم تلك الليلة، كنت واثقةً بأن أبي وعمي سيعودان تماماً كما عادت أمي، بقينا جميعنا ننتظر على وجل لعدة أيام بعد ذلك، نقفز كلما سمعنا صوت جرس الباب".

نحن بخير..

لأكثر من أسبوع لم تعلم العائلة عن باسم وغسان شيئاً، اتصلا في الاسبوع الثاني كل منهما بزوجته في مكالمة مقتضبة: نحن بخير. انتهت المكالمة. كانت هذه المكالمة ضرورية فقط ليتأكد الجميع أنهم لا يزالون أحياء، لكن لا شيء آخر.

"ذهبت مع عمي (أبو باسم) ومها زوجة باسم لمقابلة أحد الضباط في القضاء العسكري، كنا نريد فقط أن نأخذ لهم ثيابا، قال لنا: لا داعي كل شيء متوفر عندهم، ثم أخذ يطمئن عمي الذي كان منهاراً: "لا تخاف عليهم كل شي موجود عندهم وتعذيب ما فيه". لم نكن نتصور أن يتم تعذيب شخصيات مهنية مثل الأطباء، لكن كم كنا واهمين، لم يبق شيء فوق التصور إلا وحدث في البحرين. قصص التعذيب بدأت تتسرب لنا فيما بعد.

أسبوعان مرا علينا في هذه الحال قبل أن يتم اعتقالي أنا أيضاً في الاسبوع الثالث منذ 19 مارس وحتى 11 إبريل. لم أتوقع اعتقالي على الإطلاق. هكذا بقى أطفالنا بلا أم ولا أب لمدة 3 أسابيع كاملة هي مدة اعتقالي.

اعتقال زهرة.. 

"كنت في العمليات عندما جاءني اتصال: مطلوبة في مكتب رئيس الأطباء" تقول زهرة "توقعت أن يجرى معي تحقيقاً لأن لجان التحقيق كانت قد بدأت. في طريقي إلى هناك رأيت الدكتور عبد الشهيد فضل. كان مطلوباً أيضاً. دخلنا مبنى الإدارة في مستشفى السلمانية التي تحولت إلى ثكنة عسكرية، عساكر عند كل باب وكل ممر. أتى 3 ملثمين ونادوا بأسمائنا أنا و4 زملاء آخرين منهم عبد الشهيد فضل ونبيل تمام. أخذوا هواتفنا وقالوا سنأخذكم للتحقيق نصف ساعة وسترجعون. سألنا كيف سنذهب؟ قالوا: بسياراتكم. لم تكن لدي سيارة، فسياراتنا تم الاستيلاء عليها بالكامل. ركبت مع نبيل تمام في سيارته ومررنا بنقاط تفتيش ثلاث. أحد العساكر عند الباب بصق علينا وقال: لعنة الله عليكم وعلى وجوهكم".

"دخلنا التحقيقات ونادوني، سمعت أحدهم يقول: وصلنا الأمر، من فورها قامت الشرطية بتصميد عيني وسحبتني وأركبتني سيارة، في الطريق كانت تنزل رأسي للأسفل كي لا يظهر أن هناك سيدة مصمدة عينها، سمعتهم يقولون أننا ذاهبون إلى عيادة القلعة. لم أفهم لماذا العيادة. هناك جاءت الممرضة وقاست ضغطي وقالت حرارتها مرتفعة وتحتاج سيلان وأدوية وعلاج لمدة ثلاث ساعات. في الحقيقة لم يكن بي شيء. هل كانت تريد إبقائي في العيادة رحمة بي كي لا أُعذب؟ لا أعرف.

الشيخة نورة..

"في العيادة تمت إهانتي وشتمي بكل الطرق: إنتو ما تستاهلون تكونون دكاترة. إنتو خونة وشهاداتكم هذي ما تستاهلونها يا صفويين يا مجوس. إحداهما كانت تستهزئ: ليش هذا السيلان  حاطينه في الوريد، خله نبطله ونحطه في بوزها ونخنقها أسرع لنا. هذي ما سوينا فيها شي ومرضت الله يعين.

لم أعرف لم هذه الفحوصات، ربما بسبب الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب، فصاروا يفحصون المعتقلين قبل إنزال التعذيب الجسدي بهم. في التحقيق تعرضت للضرب على يد الشيخة نورة الخليفة. تضرب بمجرد أن تدخل. سألتني عن عدد الجرحى الذين عالجتهم وكنت أجيب بعفوية. كنت أشرح لها الحالات التي مرت علينا، ومنها إصابات الرصاص، فكانت تستنكر علينا إدخالهم العمليات، وتقول بأننا نتعمد فعل ذلك لكي نقول إن هناك إصابات خطيرة، ولكي نقول للعالم إن الحكومة قتلت وضربت، ثم ذكرت الشهيد عبد الرضا وقالت إنه قد تم توسيع جرحه وأنه لم يكن بحاجة لعملية. كنت مندهشة: هل من المعقول أن يكون هناك أناس يفكرون بهذه العقلية؟ أن يفعل طبيب مثل هذا؟ كانت تستمر في ضربي وتقول: شكلك ما بتتعاونين ويانا، بوديك حق ناس يعلمونك شلون تعترفين".

هراء جُهّال..

 
أخذوني لغرفة في الأعلى. كنت أسمع أصوات رجال يتكلمون ويضحكون مع بعضهم، فجأة صرخ علي أحدعم: إنت زهرة زوجة غسان؟ قلت نعم، فأخذ يسب في غسان وقال كلاماً قذراً لا أستطيع قوله. ثم قال لي: نحن هنا 24 ساعة وليست لدينا مشكلة، وتعرفين جيداً ماذا يمكن أن يحدث لك إذا لم تعترفي. أنت متهمة بسرقة أدوية من العمليات وأخذها إلى الدوار. قلت له: لا يمكن، لأن الأدوية الموجودة في العمليات هي أدوية تخدير فقط، ولا يمكن استخدامها خارج غرفة العمليات لأنها تتسبب في موت المريض، خصوصاً إذا لم تكن هناك أجهزة تنفس. شعر أن ما يقوله هراء ينم عن الجهل، فقال للشرطية: بس خذيها..!

أوقفتني في (الكوريدور) لفترة طويلة قبل أن تدخلني مكتب ما، سمعت صوت شخصين يتكلمان. شعرت بالدوار من شدة التعب. سألتهم إن كان يمكنني الجلوس لأني أشعر بالدوار. أجلسني أحدهما فصرخت عليه الشرطية: ليش تقعدها هذه ما تستاهل تقعد. أوقفوني مرة أخرى. ثم أخذوني لمكتب الشرطيات وتم إعادة التحقيق من جديد. تم توقيعي على أوراق لم أر منها إلا مكان التوقيع. ترفع العصابة من عيني وتضع إصبعها على مكان معين، وأنا أوقع".

في اليوم الثاني أخذوني إلى تحقيق النيابة العسكرية، هكذا أخبروني، التحقيق يستغرق 2- 5 ساعات أقضي معظمها واقفة. كانوا يريدونني أن أثبت تهماً على غسان، وكانوا يكتبون في المحضر عكس الكلام الذي أقوله، كنت أسمع أحدهم وهو يملي على الكاتب ما يريدون، أسمعه وهو يملي له يكتب عن اعترافي بأن غسان مسؤول عن الإعلام في المستشفى، وأننا نعالج المتظاهرين الذين ينادون بإسقاط النظام بأوامر من علي العكري. لم أكن أستطيع فعل شيء. في نهاية التحقيق سألني: هل هناك شيء آخر تريدين قوله؟ قلت : فقط أريد الإطمئنان على أولادي. قال: طيب. عندما أعادتني الشرطية وقلت لها هذا، قالت: ما عندنا أمر".

عفو ملكي!!

"انفرجت أساريري عندما قالت لي الشرطية: يالله شيلي شنطتك وأغراضك". تقول زهرة، "ظننت أني سأخرج وأعود لبيتي وأولادي، قلت للشرطية: لدي أغراض كثيرة هنا، هواتف وكومبيوترات وسيارات. ضحكت وقالت: ما عليه ما عليه. كانت معي الممرضة ضياء جعفر. أخذونا إلى مركز مدينة عيسى. كم كنت متفائلة!.

لم أتمكن من الاتصال بأولادي قبل عشرة أيام، كان ذلك عندما انتشر خبر عن زيارة "أشتون" للبحرين فصار الضباط يزورونا في الزنازين ويتكلمون معنا. ومنها سُمح لنا بالاتصال. لم أستطع معرفة أي شيء عن غسان. كنت قلقة عليه جداً. بقيت 25 يوماً قبل أن يخلى سبيلي.

في يوم الإخلاء تم التحقيق معي مرة أخرى مع مبارك بن حويل. قال لي: هذا عفو ملكي جاينكم ولو أنا ما أطلعكم على هذي السوايا اللي سويتونها لازم تنسجنون. خرجنا على هذا الأساس، وظننا أن الأمر انتهى عند هذا الحد. لم تلبث أن وصلتنا إحضارية في 5 يونيو لحضور المحكمة العسكرية".

كسر الأبناء..

"خلال فترة سجني انتقلت والدتي للعيش مع أبنائي، أيضاً بيت عمهم حولهم وعائلة غسان ووالداه كانوا معهم معظم الوقت. كانوا يكتبون لي رسائل تصلني بعد فتحها وقراءتها. يطمئنوني أنهم أقوياء رغم افتقادهم الشديد لي ولوالدهم. يقولون نحن فخورون بكم ونعرف أنكم لم تفعلوا أكثر مما يمليه عليكم واجبكم المهني. كانت العائلة تحيطهم بكل الرعاية والحنان لكن غياب الوالدين انكسار كبير. أذكر أول مكالمة لي كان محمد يبكي بحرقة: ماما وين انتين ويش صار ليش؟ كنت أنهار بعد كل مكالمة مع أبنائي وأعود للزنزانة في حالة يرثى لها. كنت مطمئنة أنه لن ينقصهم شيء، لكن ما حال نفوسهم وهم يفكرون فيما قد يحدث لنا ولا يعرفون مصيرنا". 

وجبر فاطمة..

فاطمة الابنة البكر، تروي كيف كبرت سريعاً بغير اختيارها، "بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال والدي، عدت من المدرسة لأجد جدتي في المنزل، لم تكن أمي قد عادت من العمل بعد، رفضت ان أصدق أنها اعتقلت أيضا، كان هذا فوق طاقة احتمالي واستيعابي، ألا يكفي أبي وعمي؟ أقنعت نفسي أنها تعمل على حالة طارئة أو أنها تأخرت في المستشفى. كان هاتفها مغلقاً. بعد الاتصال ببعض الزملاء من المستشفى اكتشفنا أنها أخذت للتحقيق ولا أحد رآها بعد ذلك، ومع ذلك فقد أخبرنا مركز الشرطة حين اتصلنا نسألهم عنها أنهم لا يعرفون شيئاً. 

هنا أدركت الأمر، لم يعد لدي خيار للهروب من تلك الحقيقة: أبي وأمي معتقلان ومفصولان عن العمل، أنا وإخوتي الآن بلا والدين، كنت في صدمة نفسية قوية بسبب هذه المحنه التي واجهتني، لا زلت أعاني من أحلام مزعجة وأجد صعوبة في التركيز على دراستي. رغم ذلك، لم يفتني يوم دراسي واحد، ولم أتغيب قط، فوالدي دائما يؤكد على أهمية التعليم، وأنه سلاحنا الذي لا يمكن لأي أحد أن يسلبه منا. 

كفتاة في السابعة عشر من عمرها، كان غريباً أن تصير لدي كل تلك المسؤوليات فجأة، كان علي أن أدير منزلاً بأكمله، وأعتني بجدتي المنكسرة، وأخويي الصغيرين الفاقدين، وأقنعهم بأن كل شيء سيكون على ما يرام في نهاية المطاف، وأن أدفع الفواتير، وأواظب على الذهاب إلى المدرسة، وأن أجتهد لأحافظ على نسبة تفوق تخولني لدراسة الطب الذي هو رغبتي وطموحي، وكان علي أن أشرح لأخوتي أن والدي أعتقلا دون أن يرتكبا أي جرم، وأننا لا نستطيع فعل الكثير لمساعدتهما "


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus