باسم ضيف متحدثاً عن تجربة السجن: مجمع عنبر 5 الطبي «2-4»

2012-12-19 - 9:34 ص


مرآة البحرين (خاص): "أقسم بالله العظيم، أن أراقب مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في جميع أدوارها والأحوال، باذلاً ما في وسعي في استنقاذها من المرض والهلاك والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم وأستر عوراتهم، وأن أكتم أسرارهم وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو، وأثابر على طلب العلم أسخّره لنفع الإنسان لا لأذاه، وأن أوقّر من علّمني، وأُعلّم من يصغرني، وأكون أخاً لكل زميلٍ في المهنة الطبية، ومتعاونين على البر والتقوى، وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين، والله على ما أقول شهيد".

بقَسَم أبقراط، يدخل الطبيب المهنة، بدونه يصبح خارجها. يحاسب الطبيب بقدر ما يفرّغ هذا القَسَم من محتواه، ويكافأ بقدر ما يجعله حيّاً نابضاً فيه. الطبيب وظيفته منح الناس الحياة والأمل وتجنيبهم، قدر الطاقة، الموت والألم. "كان هذا القَسَم هو اختيارنا، حين قرر آخرون اختيار شيء آخر" باسم ضيف.



باسم خرّب ركبتك..

كنا ثلاثة أشخاص أو أربعة في الزنزانة، لا حقاً أحضروا اثنين آخرين أحدهما الممرض إبراهيم الدمستاني، وكان مريضي أيضاً، أجريتُ له عملية الرباط الصليبي، وكانوا في التحقيقات الجنائية يحضرونه، يضربونه على الركبة التي أجريت فيها العملية، ويقولون له: "قول دكتور باسم ضيف أخذ بيزاتك وسوالك عملية وخرب ركبتك!!" وكان دون اختيار يكرر ما يطلبون، رغم اني أجريت له العملية في مستشفى السلمانية، وبالمجان، حين التقينا لاحقاً، كان يبكي، جاء إليّ معتذراً، أخبرته أني أتفهم حتى وإن قال إني قتلته، فأنا أيضاً اضطررت في مرحلةٍ ما أن إقول ان الدكتور علي العكري لديه أسلحة!

أنا أحد تلامذتك..

بعد يومين من التوقف عن تقييدنا، أخذوني إلى العيادة الطبية، عصبوا أعيننا، وقيدونا إلى الخلف، جاء شخص يسأل عن اسم كل واحد فينا ويعاجله بالضرب. ما إن نادى اسمي وقلت نعم حتى جاءتني لكمة لم أجرب مثلها في حياتي. قال لي: إن ما خليتك تشتغل حمالي في السوق المركزي!!
أرادوا أخذي للعيادة فرفضت بسبب ما أسمعه عن تعذيب من يذهبون إلى هناك، قال لي الحارس: أنا سآخذك ولن أسمح لأحد بضربك. لم يضربني أحد، لكن أحداً هناك ما انفك يلكزني بالقلم في بطني ورقبتي. في المقابل كان طبيباً بحرينياً اعتاد أن يعاملني بلطف، كان يناديني دكتور، وكان يردد دائماً: ما تآمر على أي شي، أو تحتاج أدوية. فكنت أخبره بما أحتاج من أدوية ويصرفها لي. حين رفعوا العصابة عنا التقيت به، ابتسم وسلّم، سأل عن أخباري، قلت له: كأني أعرفك؟! قال: أنا أحد تلامذتك في كلية الطب، لا أنسى فضلك علي أبداً. هنا لم أتمالك نفسي، بكيت، شعرت أنه لا يزال هناك من يحكم  علينا وفق معرفته بنا، أن هناك من يصدّقنا.

بقيدي وعصابتي أفحص وُاستشار..

في أحدى المرات التي أخذنا فيها لمبنى التحقيقات الجنائية، جاء أحدهم وسأل عني، أخبرني أني أجريت له عملية في كتفه، وأنه يعاني الآن من صوت وألم في موقع العملية، طلبت أن أفحص كتفه، فرفع عصابتي، وفحصته.

ذات مرة أدخلوني وأنا في العيادة غرفة، فكوا قيدي وأبقوا العصابة، دخل بعدها أشخاص بينهم امرأة. قالت: نعرف أنك من الأطباء المتميزين والمشهورين، ولدينا استشارة طبية: لدينا مصاب قُطعت أصابعه، وأخذت تصف الإصابة، تدخل أحد الرجال المتواجدين، أمسك يدي، ووصف الإصابة من خلالها، أخبرتهم بجميع الاحتمالات، وأكدت أن لكل حالة خصوصيتها. قالوا: هل يمكن أن تجرى له زراعة؟ فقلت: إذا مرت ثمان ساعات على القطع، وبدون حفظ الأصابع بطريقة معينة لا يمكن، طلبوا أن أزودهم برقم جراح عالمي للمعالجة، أخبرتهم أني لا أحفظ الأرقام، ووجهتهم للاتصال بالدكتور يوسف العالي بالمستشفى. اقتادوني بعدها للحافلة التي كانت بالانتظار، وفي الأثناء جاء شخص وشكرني وقال إنهم حصلوا على رقم جراح عالمي من الدكتور يوسف.

طوال أشهر اعتقالي، مر علي أشخاص لا أعرفهم، يعرفون بأنفسهم ويذكّرون أني عالجتهم ذات يوم، كان ذلك وحده يخفف عني جرح التهمة الأكثر وجعاً: التمييز في العلاج. حتى بعد انقضاء كل ذلك، حين فتحت عيادتي، وكان يأتيني مريض من الطائفة الشريكة في الوطن، كانت تتملكني المخاوف من أن تكون فكرة اضراري به راسخة بداخله كما أراد النظام، لكن مع الوقت تخطيت الأمر.

لن أنس هزّاع..

هزّاع. أو هكذا أرادني أن أناديه، كان أكثر السجّانين رحمة، أقربهم إليّ، وكان يعتني بي، لم يعتد عليّ يوماً أو يؤذيني. يختفي لأيام ثم يعود فيسأل عني، كان يحضر لي الماء البارد عكس بقية الحراس. وفي يوم الإفراج أخذونا لعيادة الحوض الجاف، وأثناء الفحص جاء هزاع، عرفته من صوته، وكانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها. سألني: عرفتني؟ فقلت: نعم، هزاع، احتضنني وقبلني، وأنا فعلت الشيء نفسه. شكرته يومها بعمق وامتنان، لمعاملته الإنسانية طيلة فترة اعتقالي، وعدته أن أذكر فضله عليّ ابداً.

BTV  يصور اعترافاتنا..

 
في أحد من أيام إبريل، ربما الإسبوع الثالث منه، وقت العصر، أخذونا من الحوض الجاف لمبنى التحقيقات الجنائية، ككل المرات السابقة، لا أحد يعرف السبب، تركونا هناك، نمنا على الأرض، كان المكيف باردا جداً، كنت أنا وأخي غسان والدكتور نادر ديواني نرتجف من شدة البرد، أشفق علينا أحد الحرس، أحضر لنا لحافاً، كنا ثلاثة، وكان غطاءً لا يتجاوز عرضه متراً ونصفاً أو أقل.

في الصباح اختلفت معاملة الحرس، فكوا القيود، قرابة الساعة العاشرة سمحوا لنا بالاستحمام، ثم تركونا نتشمس، أحضروا لنا الشاي، وحضر شخص له صوتٌ مميز، قال: أكو انشاالله اموركم تخلص، وتفتكون. ثم أضاف: ربعكم الثانيين هدوهم بكفالة وانتو أموركم بتمشي بعد. سألته: كم مدة التوقيف؟ قال: المفروض شهر، شهرين بالكثير وبخلصون أموركم.

عرفنا بعدها أنهم يريدون تسجيل اعترافاتنا، لبثها على تلفزيون البحرين، جميع الأطباء تواجدوا يومها، الجنح والجنايات. وكان الشخص الذي يدير كل ذلك هو مبارك بن حويل، كل من يأتي دوره، يجلس على الكرسي المقابل للكاميرا والإضاءة، وكل تلك المعدات السوداء، مع كل الوجوه المحدقة إليك بحزم وقسوة واتهامٍ فاضح، بعد الاعتدال في الجلسة، ترفع العصابة، المكان يبدو مثل استوديو مجهز، بجميع المعدات الخاصة بالتصوير، الأثاث فاخر جداً، المكان كبير، وعرفنا فيما بعد أن تلفزيون البحرين يحظى بمكانٍ خاص بمبنى التحقيقات الجنائية لمثل هذه الاستخدامات.

في المكان انتشرت المعدات والمكيروفونات التي تحمل شعار BTV، طاقم التصوير جميعهم ملثمون، بعضهم كان يرتدي الثوب ويلتثم بالغترة، بعد إعداد كل شيء أخذونا لكرسي الاعتراف. البداية كانت من نصيب الدكتور عبدالخالق العريبي، ثم أخي غسان، بعدها جاء دوري، تابعت اعترافاتهما جيداً، اتبعت الطريقة بحذرٍ بالغ، قلت اسمي، وظيفتي، تخصصي، قلت أيضاً أني درست على نفقة الدولة، ثم بدأت بسرد الاعترافات التي أجبرت على الاعتراف بها تحت وطأة التعذيب مسبقاً، وجوه النساء لم تكن مكشوفةً لنا، لكني تعرفت على الدكتورة جليلة العالي من كحتها الباهتة، بدت مجهدة جداً.

اعترفت تحت قهرالتعذيب والخوف، أن مصابين حضرا للعلاج بالسلمانية، وكانت إصاباتهما بسيطة، لا تستدعي التدخل الجراحي، وأني قمت بتعمد توسعة جروحهما، واختلاق إصابات وهمية، ليتم نقلها عبر القنوات الإعلامية العالمية. اعترفت تحت قهر التعذيب والخوف أيضاً أن الدكتور علي العكري أخبرني أنه يملك أسلحة نارية مخبأة في الحمامات وأسقف أجنحة مستشفى السلمانية، وأنه كان يهرب الأسلحة إلى دوار اللؤلؤة في سيارات الإسعاف. قال لي مبارك بن حويل: ممتاز باسم، ممتاز، هل تريد أن تضيف شيئاً؟ قلت: إني أجرمت، واعتذر للشعب.

الهزل غير المسبوق..

الاعترافات كانت أشبه بفيلم هزلي غير مسبوق: امتلاك أسلحة نارية. إجراء عمليات وهمية. ترديد الأطباء لنشيد منصورين والناصر الله عند سماعهم بقرب وصول الأسطول الإيراني لسواحل الخليج العربي. تلقي الأطباء للتعليمات من الشيخ علي سلمان. تلقي التعليمات بتأجيج الوضع في مستشفى السلمانية من النائب الوفاقي السابق خليل المرزوق بصفته عديل الدكتور علي العكري. كما طلبوا منا الاعتراف أن أعضاء جمعية الوفاق كانوا يحضرون إلى طواريء السلمانية لتحريض الأطباء على اختلاق الأكاذيب والافتراءات وبثها عبر القنوات العالمية خاصة فيما يتعلق بكمية ونوعية الإصابات التي ترد المستشفى والمتعلقة بالوضع الأمني.

 كما اُجبرنا على ذكر أسماء وفاقيين أنهم يحضرون السلمانية للتحريض، بينهم النائب الوفاقي السابق علي الأسود والسيد جميل كاظم. كما أُجبر الدكتور نبيل حميد على الاعتراف أنه قام بإجراء عملية غير ضرورية إلى الشهيد عبدالرضا بو حميد وتوسعة الجروح في رأسه، بإيعاز من الدكتور العكري وغسان ضيف لبث صور العملية للقنوات العالمية، وذلك رغبةً في زعزعة الأمن ومحاولة إسقاط النظام، مما أدى إلى مقتله. من ضمن الاعترافات أيضاً ان الدكتور صادق عبدالله قام بإجراء عملية فتح صدر لمصاب لإزالة رصاصة وقد تسبب ذلك بشكل مباشر في موته، وأن الدكتور نادر ديواني كان على اتصال دائم بالسفير الإيراني بالبحرين وأنه كان يتلقى التعليمات منه مباشرة خاصة تلك المتعلقة بتحريض الكادر الطبي على الاستمرار في احتجاجاته واعتصاماته.

وانتهت المعاملة اللطيفة..

استمر تصوير الاعترافات من الحادية عشرة والنصف ظهراً حتى العاشرة مساءً، وبينما بدأ النهار بمعاملة جيدة من السجانين انتهى ككل الأيام التي يمارس بها العساكر سطوتهم ويشبعون شهوة الوجع. في أثناء التصوير أعطونا استراحة، سمحوا بالتدخين لمن يريد، ما إن انتهى التصوير حتى تمت جرجرتنا للسيارة، تغيرت المعاملة تماماً، أحد الحراس ضربني على رأسي، قال لي: يالثور شلون يقص عليكم علي العكري.

عند عودتي للسجن، تلقاني رفقاء الزنزانة بالأحضان والبكاء، كانوا خائفين علي جداً، لاختفائي ليومين، أما أنا فكان الأمر كله مؤثراً بالنسبة لي. بعد عودتنا انضم لنا بالزنزانة الدكتور نبيل حميد والدكتور محمود أصغر.

عقاب الصلاة..

في الزنزانات يصبح الطريق الى الله أقصر. تعالوا نصلي صلاة جعفر الطيار: هكذا كسر ضيف الصمت المطبق، "إنه يوم الجمعة، وهي من المستحبات"، لم يكن الكثيرون يعرفون كيف يؤدونها، طلبوا منه أن يصليها بصوتٍ مسموع، وأن يقوموا بالمتابعة من بعده. بدأ، سحب الخيط النوراني، اتحد مع الله في أملٍ مشع، وراح يصلي، لم يكد ينتهي، حتى فُتح الباب بقوة، دخل أحد العساكر، سحبه دون رفقٍ، أخرجه من الزنزانة، ورماه بأخرى، كان يصرخ، يرجوه ألا يفعل، توسل أن يعيده إلى زنزانته، لكن الشرطي كان غاضباً من صلاته، في وقتٍ لاحق، فُتحت الزنزانة، أخذوا جميعاً لمبنى التحقيقات، عند العودة، أعادوه لزنزانته الأولى، لكن العسكري ذاته، عاد مجدداً، ونقله، ليبقى هناك ثلاثة أشهر، ثمن صلاته!

في الزنزانة الجديدة، أصبح رفقاؤه الدكتور محمود أصغر والدكتور نبيل حميد والمسعف أمين الاسود والمدون أحمد الديري، وآخران يعملان في محمية العرين هما غالب وخليل، وفاضل وأحمد (مصاب بالصرع ولديه جزء من الإعاقة الذهنية). رغم هذا الخليط الثقافي والمعرفي إلا أن برنامجاً يومياً كان يجمع بينهم "بعد استقراري في هذه الزنزانة، اتفقنا أن نقوم ببرنامج روحاني ليلي من الصلوات والأدعية والزيارات، كنا بحاجة لإضاءة الجانب الروحاني في داخلنا، كانت تلك الطريقة الوحيدة لدعم نفسياتنا ورفع معنوياتنا، بعض الأشخاص لم يكونوا على علم بكيفية أداء صلاة الليل فتطوعت لتعليمهم، كنا نعتمد على ذاكرتنا في استحضار الأدعية والزيارات لعدم توافر الكتب المختصة بذلك.

بعد العشاء مباشرة يبدأ البرنامج، لم يقتصر الأمر على الأدعية والصلوات، كنا نحيي سير الأنبياء وآل بيت النبي. أما أحمد الديري فكان له نصيب الأسد من المعلومات. يتميز بغزارة حفظه ومعلوماته التاريخية، وهو من أكثر الأشخاص الذين يضفون جواً روحانياً لهذه الجلسات.

لكل منا خبرته وتجربته..

لم يكن الدين وحده حاضراً، كان الإنسان أيضاً، بذكرياته، خبراته، معرفته، وعجزه أيضاً، يقول الدكتور ضيف:"كنا في بعض الليالي نستمع لخبرات بعض المعتقلين، خليل كان بحاراً ماهراً، وخبير في أنواع الأسماك وأشكالها وطرق صيدها وأماكن تواجدها. أما غالب فيعشق الخيول، ويتميز بمعرفة أنواعها وطرق التعامل معها وحتى التحدث إليها، وقد كان يروي لنا قصصاً كثيرة مع أفراد من العائلة الحاكمة. لاحقاً أضيف لنا معتقل آخر اسمه جاسم الصباغ، وهو ممن أكن لهم معزة خاصة حتى اليوم، فقد قام بتعليمنا علم تجويد القران الكريم، ولكن لم نلتق به إلا بعد نقلنا لعنبر رقم6  بعد انتهاء حالة السلامة الوطنية".

أما أحمد المريض بالصرع، فقد كان مقدراً له أن يتشارك الزنزانة مع أطباء، فذلك يعني الكثير لحياته. في إحدى الليالي، وقف يصلي صلاة الليل، قبل أن يسقط بفعل نوبة صرع، كان طويلاً وضخم الجثة، ولم يكن أحد يعرف عنه الكثير لكونه قليل الكلام، كانوا على علم بتناوله الأدوية، يقول باسم:"قمنا بإسعافه أنا ونبيل حميد، استدعينا الشرطة، وتم مباشرة إخراجه من الزنزانة"، منذ تلك الليلة لم يعد أحمد، أخبرهم أحد الحراس أنه نقل إلى المستشفى العسكري، وأطلق سراحه بعدها، لكن لا يمكن الجزم بذلك أبداً.

خصوصية عنبر رقم  5 

العنبر رقم 5، هو عنبر الأطباء، ملتقى الاستشاريين، جميع متهمي الكادر الطبي من الجنح والجنايات تحت سقفٍ واحد، وكانت كل زنزانة من زنزاناته التسع تحتوي على استشاريين أو ثلاثة، لقد كاد العنبر أن يتحول لأكبر تجمع طبي قد يشهده مكان مماثل، حيث يختلط تخصص العظام بالتجميل والأسنان بالمخ والأعصاب والأطفال بزراعة الكلى والعيون، بالإضافة إلى عدد من المسعفين والممرضين بما فيهم رئيس الإسعاف.لكن لم يكن هذا الاجتماع لأمر له علاقة له بتطور مهنة الطب، بل اضمحلالها.

في السجن يمكنك توقع أي شيء، وتقبل كل شيء، وفيما يبدو العذاب والقسوة هي كل ما هنالك، تظهر الرحمة لدى البعض أيضاً، هذا ما حدث تماماً، في سجن الحوض الجاف، مع أحد الحراس، وكان اسمه "أبو عبدالله" أو هكذا أراد للمعتقلين أن يعرفوه، وتدل لهجته على أصوله اليمنية، "كانت معاملته ممتازة" كما يقول باسم ضيف، "كنا نشعر بعطفه".

"وجبة الإفطار كانت عبارة عن بيضتين، خبز، شاي، قطعة جبن واحدة، وعلبة مربى صغيرة، كنا نتوسل الحرس الباكستانيين أن يعطونا قطعة جبن إضافية فيرفضون، أما أبو عبدالله فكان يعطينا، وفي بعض الأحيان كنا نتفاجأ بعلبة الجبن كاملة  تعبر قضبان زنزانتنا، وكان أحياناً ينقل لنا أخبار ما يدور في الخارج، منه عرفنا عن موت السيد علوي الغريفي، وأن ابن الملك ناصر قام بزيارتهم لتقديم العزاء. من بين الأشياء التي نقلها لنا أيضاً أنهم وجدوا أسلحة وأجهزة تنصت في مستشفى السلمانية، وتلك كانت تهماً لم نعرف أنها وُجهت لنا، من ضمن ما قاله لنا إنه سيتم الإفراج عنا، وأن تلفزيون البحرين نشر خبر الإفراج عن 42 طبيبا وطبيبة، وكانت علاقتنا به طيبة، وننتظر قدومه بصبر، عله ينقل لنا خبراً يفرح قلوبنا".

عنبر جديد مفتوح على العتمة..

 
في يوم 30 مايو، نقلنا إلى عنبر آخر هو عنبر 6، في الزنزانة الجديدة، بدأت مرحلة عذابٍ آخر، كل شيء هناك مهيأ لإرعابك، الإضاءة الخافتة، الألوان الباهتة، الأبواب الحديدية بالكامل. الزنزانة ضيقة جداً، في وقتٍ متاخرٍ من الليل جاء شرطي، وطلب أن يقرروا أسماء 4 ليغادروا الزنزانة التي لا تستوعب هذا العدد. رفض الجميع المغادرة، طلبوا من الشرطي أن يسمح لهم بالبقاء جميعاً رغم الضيق، فقد اعتاد كل منهم على الآخر وتوثقت العلاقة. مضى عنهم، قبيل الصبح عاد، هذه المرة اختار بنفسه أربعةً نقلهم إلى زنزانةٍ أخرى. في تلك الليلة هبط الحزن، خيم على الجميع همٌ ثقيل، يقول ضيف:"شعرنا بالضيق، وعدم القدرة على التنفس، وأجهشنا بالبكاء، الشرطي أيضاً كان متاثراً، بعد تلك الحادثة أصبحت علاقته بنا وثيقة، كان يأتي من حينٍ لآخر للسؤال عنا، بدأ منذ تلك الليلة بإخراج الجانب الإنساني المختزل في داخله".

في الخامس من يونيو، تفاجأنا بزيارة اثنين من كبار الضباط، أحدهما كان ملثماً، أخبرنا أن نكون على استعداد بعد صلاة الفجر، قال: صلوا والبسوا وكونوا مستعدين. جزء كبير منا توقع الإفراج، مع ذلك لم نكن فرحين، بل مضطربين. قضينا ليلتنا في الدعاء. عند الفجر، أطلقوا نداء للكادر الطبي كي يستعد، أوقفونا مقابل الجدار، عصبوا أعيننا، كبلوا أيدينا ونقلونا في باصات صغيرة، حشرنا فيها معاً، الغريب أنهم انهالوا علينا ضرباً وركلاً اثناء صعودنا، كنا في حيرة مما يحدث، فقد ظننا أننا ودعنا مرحلة الضرب.

انطلقت السيارة، لم تمض أكثر من سبع دقائق حتى توقفت، أنزلونا لمكانٍ لا نعرفه، رافق ذلك ضربٌ عنيف، أذكر أني تلقيت لكمات في البطن والوجه، وضربات على مؤخرة رأسي، المكان الجديد لم يكن سوى سجن آخر، كان ذاك سجن أسري، الزنزانة كانت صغيرة، لكن يميزها الارتفاع الشاهق للسقف.

فكوا القيود، وأبقوا العصابات، وبدأ كل واحدٍ منا يحدث الآخر، بالقرب مني كان الدكتور عبدالله الدرازي، أحد طلبتي في كلية الطب سابقاً، وضع رأسه على كتفي، همس بصوتٍ متحشرج "ماذا سيفعلون بنا دكتور؟! لقد كسروا أنفي"، عرفت فيما بعد أنه تلقى ضربة على أنفه أثناء نقلنا تسببت في كسره، أخذت أهدئه، وأقول له استبشر خيراً إن الله معنا، وأن الفرج قريب".

حتى تلك اللحظة، في تلك الزنزانة الشاهقة، كان الإفراج هو كل ما يتوقعه ضيف ورفاق المعتقل، يقول:"نظرت إلى الجدران الشاهقة، في الأعلى نافذة صغيرة، ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد، وما إن بدأ النهار، حتى سمعت زقزقة العصافير، وبدأت أستشعر طعم الحرية".

في الصباح، جاؤوا بالإفطار، جميع العساكر كانوا ملثمين، طلبوا من المعتقلين أن يأكلوا بصمت قبالة الجدار. لم يأكل معظمنا، كان التوتر سيد تلك اللحظة المجهولة.

نادوا علينا، واحداً بعد الآخر. قاموا بجرنا إلى السيارات، وابلٌ من الكلمات البذيئة يرافقنا، ضربونا ونحن نصعد، حشروا أحدنا فوق الآخر، كانوا يتعمدون إذلالنا، أمرونا بإنزال رؤوسنا للأسفل، هددوا بضربنا بالشوزن في رؤوسنا إن لم ننزلها. توقفت السيارة، المكان شديد الحرارة. الوهج الذي يملأ المكان، يشعرهم أنهم في الصحراء، عند البوابة استلمهم بحرينيون، كان ذلك واضحاً من لهجتهم، أدخلوهم غرفة ضيقة، أخبروهم أنهم بعد قليل سيدخلون على القاضي: لا نريد نفساً ولا ابتسامة ولا صوت. أدركوا انهم في المحكمة العسكرية.


وصلة الحلقة الأولى
وصلة النسخة الانجليزية

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus